الجمعة، 16 يناير، 2009

أوباما وكلينتون: "دعهم يأكلون الوعود"

سعد محيو

الخليج (الإماراتية)

وعود جميلة تلك التي أغدقها الرئيس المنتخب أوباما حول بدء انغماسه بتسويات لأزمة الشرق الأوسط منذ بداية عهده لا نهايته (كما فعل من قبله كلينتون وبوش)، وبمعاملة إيران باحترام (رغم أنه لم يشر إلى احترام العرب)، وبلعب دور الطرف الثالث الموثوق به.

وهي وعود تبدو صادقة وإن لسبب مصلحي: فهو يعتبر أن سمعة الولايات المتحدة في العالم كنز سياسي ثمين يجب استعادته. كما أنه يريد أن تحظى بلاده بالاحترام مجدداً، كي يصبح أصدقاؤها حلفاء أفضل وكي يخسر أعداؤها الدعم.

حسناً. لكن من سيحوّل هذه الوعود الجميلة إلى ورود عملية جميلة؟

حتماً ليس هذا الرئيس الشاب. ليس لأنه يفتقد إلى الخبرة، فهو يستطيع أن يتدرّب عليها بسرعة وكثافة على حساب العرب الذين أصبحوا منذ وفاة جمال عبدالناصر أكياس ملاكمة إقليمية ممتازة، بل لأنه مضطر إلى تركيز كل جهوده على الورطة الاقتصادية الأميركية الأكبر منذ الكساد الكبير عام 1929.

فهو يجب أن يوفّر 800 بليون دولار لإنعاش الاقتصاد، وأن يسارع إلى إنقاذ صناعة السيارات التي يبدو أن انهيارها بات حتمياً، وأن يوقف مسيرة البطالة المخيفة التي بلغت مؤخراً نصف مليون مطرود من العمل كل شهر. ثم أنه يجب أن يفعل كل ذلك، فيما يُتوقع أن يقفز الدين القومي الأميركي بمعدل تريليوني دولار خلال العام الحالي 2009.

أوباما، إذاً، لن يستطيع أن يطل برأسه على الشرق الأوسط والعالم إلا بين الفينة والأخرى ومن خلال ركام الأزمات الاقتصادية الداخلية التي ينتظر أن تزداد تفاقماً خلال الأشهر المقبلة، حين تتمدد من الاقتصاد المالي- الافتراضي إلى الاقتصاد الإنتاجي. فمن سيقوم بمهمة تنفيذ وعوده؟

هيلاري كلينتون هي المرشح الأول، بوصفها وزيرة عتيدة للخارجية، يساعدها فريق خبير على رأسه روس من وزارة الخارجية سابقاً وهاس من مجلس العلاقات الخارجية النافذ. لكن عقبات عدة ستعترض كلينتون وقد تسفر في النهاية عن الشلل في القرار الشرق أوسطي الأميركي أبرزها:

هيلاري نفسها التي أطلقت سلسلة مواقف متطرفة خلال الحملة الانتخابية من نوع التهديد بمحو إيران من الوجود والدعوة إلى ممارسة سياسة الحرب الباردة معها، ورفض أي حوار مع حماس قبل أن تعترف بـ “إسرائيل” وتنبذ “الإرهاب”، وتقديم الدعم بلاحدود للدولة العبرية.

وجود مراكز قوى نافذة ستتدخل في كل لحظة في سياسات وزارة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، بسبب التقاطع الحاد بين أزمة الصراع العربي- “الإسرائيلي” ومسائل الأمن و”الإرهاب” والنفط، مثل نائب الرئيس جو بادين ووزير الدفاع غيتس، إضافة إلى الرئيس نفسه.

احتمال انفجار الخلافات في وقت مبكر بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية، بسبب التنافر الحاد بين شخصيتي أوباما وكلينتون. فالمسألة الحقيقية في السياسة الخارجية الأميركية (وفق مسؤول سابق في إدارة بوش)، ستكون خلال السنة الأولى من عهد أوباما هي متى (وليس هل) سينفجر الخلاف علناً بين باراك وهيلاري.

الآن، إذا ما كانت هذه التقديرات صحيحة، فهذا سيعني أن علينا ليس فقط انتظار بروز تخبط في سياسات واشنطن الشرق أوسطية، خاصة في غياب أي مبادرة أو مركز ضغط عربي، بل أيضاً توقّع تحقق “نبوءة” كوندليزا رايس بأن إدارة أوباما “لن تستطيع أن تحيد عن الاستراتيجية الخارجية التي وضعتها إدارة بوش”.

ماذا يستطيع العرب أن يفعلوا في هذه الحالة؟ حسناً. في وسعهم أن “يأكلوا الوعود”، كما يقول المثل الإنجليزي الساخر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق