الجمعة، 16 يناير، 2009

الحرب السابعة: قراءة في مقدمات الحرب وأسبابها ونتائجها المحتملة

المركز الفلسطيني للإعلام

يتعرض قطاع غزة منذ يوم السبت 27/12/2008 لعدوان شرس استهدف معظم المؤسسات المدنية والأمنية والوزارات، وحتى المساجد، والجامعات، ومدارس "الأونروا"، وبيوت المواطنين المدنيين الآمنين، محدثاً بذلك مجازر حقيقية على الأرض، فقد وصل عدد الشهداء حتى تاريخ إعداد هذا التقرير إلى قرابة الألف شهيد، والجرحى إلى أكثر من 4500 (45% منهم من الأطفال والنساء)، في الوقت الذي مازال فيه الحصار الظالم على غزة مستمراً منذ نحو عام ونصف العام.

إضاءات لا بدّ منها:

- قطاع غزة ذو مساحة جغرافية ضيقة جداً .

- أعلى مناطق الكثافة السكانية في العالم.

- يخلو من الموارد .

- حكمته الاتفاقيات السابقة بأن تكون "إسرائيل" هي الممون الرئيس للماء والكهرباء والوقود والبضائع التجارية

- منطقة مكشوفة أمنياً وساقطة عسكرياً.

- لا عمق جغرافي لها ولا عمق عسكري.

- معزولة عن محيطها من البر والبحر والجو.

- لا وجود لقوات جوية أو بحرية للمقاومة ولا وجود للأسلحة الثقيلة .

- عدم وجود حليف عسكري أو سياسي للمقاومة .

- تدمير كافة المقرات والمكاتب القريبة من المقاومة في كافة المجالات.

- النصر عند المقاومة يرتبط بالصمود بينما النصر عند الصهاينة مرتبط بتحقيق الأهداف المعلنة.

خلفيات ومقدّمات:

أولاً: فشل جهود التمديد للتهدئة بعد انتهائها والتي استمرت ستة أشهر، فقد سعت القاهرة ورام الله إلى دفع حماس للموافقة على التمديد للتهدئة بمعزل عن التزام الاحتلال بشروطها. فمن المعلوم أن الاحتلال وطوال الستة أشهر الماضية من عمر التهدئة استمر في إغلاق المعابر بشكل عام أمام حركة الأفراد والبضائع التجارية والمحروقات ..، إضافة إلى استمراره في العدوان المتقطع على المدنيين في غزة، ضارباً بذلك استحقاقات وشروط التهدئة بعرض الحائط، محاولاً بذلك فرض معادلة جائرة على المقاومة والفلسطينيين عنوانها التهدئة مقابل التهدئة أو الغذاء مقابل المقاومة ..، بقصد تجميد المشهد الفلسطيني المقاوم، ليتسنى للاحتلال الاستفراد بالضفة والقدس لمصادرة المزيد من الأراضي، وتسمين المستوطنات، واعتقال المجاهدين بالتنسيق مع أجهزة أمن عباس الذي ما زال يتاجر بالقضية الفلسطينية في بازار المفاوضات السياسية التي تحولت بالتدريج إلى غطاء فاضح لاستمرار الاحتلال في عدوانه وانتهاكاته بحق الفلسطينيين في الضفة والقطاع.

إذن فشل تمديد التهدئة بواقعها المذل، كان يعني عودة المقاومة إلى المشهد الفلسطيني واستلامها لزمام المبادرة، وبالتالي إحراج كل الذين يحاولون التخفي وراء سراب المفاوضات العبثية، ومن جهة أخرى عودة مشهد الرعب إلى الجانب الصهيوني الذي كان يسعى من وراء استمرار التهدئة بمشهدها السابق إلى التخلص من عبء مواجهة المقاومة، وبالتالي عزلها، مقابل تحريك ملهاة المفاوضات إلى ما لا نهاية لإفساح المجال لاستكمال مخططات الاحتلال الاستيطانية.

ثانياً: غضب القيادة المصرية على حركة حماس والمقاومة الفلسطينية، برفضها التمديد لولاية الرئيس عباس المنتهية ولايته في 9 كانون / يناير 2009، برفضها الحضور للقاهرة الراعية للحوار الفلسطيني، طالما لم يتم الاتفاق على كل ملفات الخلاف السياسي التي أدت لانقسام المشهد السياسي الفلسطيني الداخلي كرزمة واحدة بما فيها ملف ولاية الرئيس عباس..

ثالثاً: ممانعة حركة حماس وفصائل المقاومة وبرفضها التهدئة المذلة، وتمسكها بخيار المقاومة وعدم التراجع في الموقف السياسي، شكل حاجزا ومانعا لاستمرار مسار المفاوضات العبثية، كما كشف سياسات بعض الأنظمة العربية كمصر المشاركة في الحصار، والتي حاولت زج القضية الفلسطينية في بازار السياسة الإقليمية والدولية، في مسعىً منها لنيل رضا الإدارة الأمريكية.

رابعاً: استمرار تمسك الحركة بموقفها السياسي وحقوق الشعب الفلسطيني، في ظل تعاظم حالة الصمود الأسطوري للفلسطينيين في الضفة وغزة على وجه الخصوص، أصبح يؤرق بعض النظم العربية، وبعض القوى الدولية التي باتت مكشوفة أمام الرأي العام، الأمر الذي أدّى إلى حراك متصاعد ملحوظ من أجل رفع الحصار عن غزة، ما يعني المزيد من الحرج والضغط على المشاركين في الحصار.

خامساً: تطور المشهد السياسي لدى الكيان الصهيوني، ودخوله في مرحلة الإعداد لانتخابات قادمة، جعل العدوان على غزة أداة من أدوات التنافس على صوت الناخب الصهيوني، خاصة وأن التنافس بين كبار قادة الصهاينة أصبح متفاقماً منذ حرب تموز 2006 على لبنان.

تلك العوامل وغيرها دفعت الصهاينة وبتنسيق مسبق مع أطراف فلسطينية وعربية إلى التحالف في توجيه ضربة قوية لحركة حماس والمقاومة الفلسطينية وللإرادة الفلسطينية الشعبية الصامدة للتخلص دفعة واحدة من مشهد الصمود والمقاومة في غزة الذي بات يؤرق ذلك الحلف الذي لم يخف موقفه المعادي لحركة حماس ومشروع المقاومة، وذلك من خلال تسويق مبررات للعدوان الصهيوني وبتحميل لحركة حماس مسؤولية الحرب، وبأنها رفضت التجديد للتهدئة بشروطها وواقعها المذل، والتي كان يراد لها أن تقبل بمقايضة المقاومة بشحنات غذائية مشبعة بالذل للفلسطينيين.

في (25/12/2008) شهد العالم وسمع تصريحات وزيرة خارجية الاحتلال تسيبي ليفني بصحبة أحمد أبو الغيط من القاهرة، عندما توعدت "بتغيير الوضع في غزة بالقضاء على حركة حماس هناك"، دون أي اعتراض من أبو الغيط أو من القيادة المصرية التي نقل عن وزيرها رئيس المخابرات المصرية عمر سليمان تهديده لقيادة حماس وتوعده إياها بالعقاب.

الحرب على القطاع الأسباب الحقيقية.. الظاهر منها والمخفي:

تحفظ الاحتلال على تحديد أهدافه من الحرب والعدوان على غزة في ضوء تجربتهم في الحرب على لبنان 2006، عندما أعلنوا عن أهداف كبيرة للحرب، فلم يستطيعوا تحقيقها فكانت هزيمتهم بأن فشلت الآلة العسكرية الضخمة في تحقيق الأهداف السياسية.

في ظل تلك التجربة حافظ الاحتلال على موقف غامض أمام الإعلام فمرة يصرحون ـ كما جاء على لسان تسيبي ليفني من القاهرة 25/12 ـ بأنهم يهدفون إلى تغيير الوضع في غزة وإنهاء حكم حماس، ومرة يعلنون بأنهم يهدفون إلى إضعاف حكم حماس، وصولاً إلى القول والمطالبة ـ كما جاء على لسان وزير الأمن الداخلي آفي ديختر في مقابلة مع فضائية الجزيرة (4/1) ـ بأنهم يهدفون من العدوان على غزة إلى تحقيق: "وقف صواريخ المقاومة قطعياً، ووقف تهريب الأسلحة قطعياً، ومن ثم عقد تهدئة تختلف كلياً عن التهدئة السابقة"، نافياً ومتراجعاً عن الهدف الذي حددته وزيرة الخارجية تسيبي ليفني من أن هدف العدوان هو القضاء على حركة حماس، معتبراً أن مهمة القضاء على حماس هي مسؤولية ملقاة على عاتق السلطة الفلسطينية في رام الله، وعلى الدول العربية التي ليس لها مصلحة في وجود حركة حماس.

للحرب أهداف إستراتيجية وأهداف تكتيكية، ولها أهداف رئيسية وأهداف فرعية، وهنا ليس بالضرورة أن يكون الإستراتيجي رئيسيّاً، أو التكتيكي فرعياً، بل على العكس يمكن أن يكون الهدف فرعياً لكنه إستراتيجي في ذات الوقت، وأقصد بالأهداف الإستراتيجية ما يعتبر استراتيجياً لدولة العدو الصهيوني أو ما يخص المنطقة والإقليم.

وبناء على ما تقدم فانه يمكن إيجاز الأهداف الصهيونية من الحرب على غزة، حسب الأولوية والترتيب التالي:

- القضاء على حركة "حماس" كجزء أساس من حالة المقاومة ومشروعها من جهة، وكجزء من محور الممانعة من جهةٍ أخرى، لإعادة بناء الإقليم بدون حماس تمهيداً لتصفية نهائية أو شبه نهائية للقضية الفلسطينية، خاصة في إطار ما يروج له الآن من قضية عودة الأوضاع إلى ما قبل الـ67 ضمن سياقات متباينة.

- القضاء على حركة "حماس" لكونها المعرقل الأساسي لتحقيق اتفاق سلام بالرؤية الصهيونية التي توافق عليها السلطة، وذلك حفاظاً على مشروع التسوية.

- كما أن تقرير فينوغراد الصادر بعد الحرب الصهيونية على لبنان عام 2006 كان أحد أهم الدوافع لشن الحرب على القطاع بغية استعادة الجيش الصهيوني لهيبة الردع المفقودة بعد الفشل الذريع الذي لحق به على إثر حربه مع حزب الله، فتوجّه إلى غزّة ظنّاً منه أنها الحلقة الأضعف.

ثمّ ينتقل الاحتلال ساعياً إلى تحقيق جملة من الأهداف على أرض الواقع على النحو التالي:

- إنهاء خطر الصواريخ الواقع حالياً أو المحتمل مستقبلاً انطلاقاً من غزة.

- إرغام حماس والمقاومة قبول تهدئة بشروط الاحتلال.

- استقدام قوات دولية لحماية أمن إسرائيل والحيلولة دون إمداد المقاومة بالسلاح، تفتح الطريق لأجهزة أمن عباس للسيطرة على غزة.

موقف السلطة الفلسطينية:

إطلالة على المشهد السياسي الفلسطيني:

- توقف الحملات الإعلامية بين الفرقاء الفلسطينيين مع استمرار الجو السلبي في الأداء السياسي .

- عدم وجود أي مبادرة فعلية لترميم البيت الفلسطيني والاكتفاء بالمزايدات الإعلامية التي لا ينبني عليها شيء.

- ضعف المشاركة الشعبية للفلسطينيين في الضفة الغربية بسبب سيادة منطق الأجهزة الأمنية هناك وتعقّب المتظاهرين المخالفين للشروط الأمنية للتظاهرات.

- فرز سياسي فلسطيني واضح على أساس الموقف من برنامج المقاومة.

- تأييد شعبي كبير للمقاومة تضعف رئاسة السلطة الفلسطينية التي لم يكن لها دور مؤثر بل اتهمت بالمشاركة في العدوان من خلال عدم تقديم مبادرة لفتح معبر رفح وتأييدها المطلق لجميع الخطوات المصرية، مع ظهور إرهاصات لانتفاضة ثالثة في الضفة.

- تناغم موقف رام الله مع مصر وأوروبا لضمان وجود محمود عباس في أي اتفاقية قادمة ترتب الوضع في غزة بعد نهاية معركة غزة.

تآمرت السلطة في هذا أولاً بحمايتها لظهر إسرائيل في الضفة، وقمعت أي مظاهر مقاومة في الضفة وحمت الكيان من خطر جبهة موجودة في الضفة ولذلك كانت هناك ضربات قاسية لأي مسيرة باتجاه أي حاجز عسكري إسرائيلي.

وكذلك حراكها السياسي الذي وصف بأنه مصلحي فئوي، اتّضح ذلك من مواقفها السياسية التي كانت مع مصالحها الخاصة ضد المقاومة.

حتى تعاملها مع كل مبادرة تطرح كان وفق مصالحها الذاتية المتعارضة مع مصالح الشعب الفلسطيني، فهي من دعم وجود القوات الدولية بحجة حماية الشعب الفلسطيني، هي قالت "إذا كانت المقاومة ستفني الشعب الفلسطيني فلا نريدها".

المواقف العربية وتداعياتها:

إطلالة على المشهد السياسي العربي:

- انقسام عربي واضح أضعف المقاومة وساهم في زيادة الضغط عليها، وأضعف أيضاً دور مصر التي رفضت التعاطي بإيجابية مع محنة الفلسطينيين.

- تصدع بناء معسكر الاعتدال العربي وانهيار مبرراته ومساواته بالعداء الصهيوني والأمريكي وبالتالي ضعف السياسة الأمريكية والصهيونية مع محيطها العربي.

- بروز قوى إقليمية على أنقاض القوى العربية الإقليمية الضعيفة ولاسيما الدور التركي.

- توسع دائرة الرفض الشعبي الضاغط غلى النظام العربي لاتخاذ مواقف مناصرة للفلسطينيين وإعادة الاعتبار للمفهوم الوطني المرتبط بالموقف من فلسطين.

- عجز مصر "الممسكة بالملف الفلسطيني عربياً" عن التأثير في الملف الفلسطيني وحاجتها إلى الدور الإقليمي لتركيا ثم محاولة مصر استعادة دورها بدعوة حماس للقاهرة.

- الاستمرار في استخدام تكتيك معبر رفح للضغط على حماس ودفعها للقبول بالتهدئة الدائمة والإفراج عن شاليط إلا أن موقف هذا النظام ما يزال قابلاً للانكسار والتراجع في أي لحظة بسبب تزايد المعارضة المصرية الداخلية،والضغط الصهيوني على المصريين لتبني مواقف أشد خصومة ضد حماس .

تباينات حادّة  ومصر أكبر الخاسرين

في سياق تناولنا للأسباب والأهداف الحقيقية للحرب نلمس جزءاً من التقاطع المهم بين للأهداف التي سبق ذكرها وبين مصلحة مصر وفقاً لسياستها الحالية المنسجمة تماماً مع كونها ممثلة الاعتدال في المنطقة.

شكل فوز حركة حماس أصبح عاملاً جديد يتحكم بموقف مصر السياسي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، هذا العامل – فيما يرى صانعوا القرار في القاهرة – هو هناك ارتباط حماس بشكل أو بآخر بالمعارضة المصرية الأهم والأشد تأثيراً.

استطاعت مصر أن تضبط أعصابها طيلة الفترة الماضية لاعتقادها أن "حماس" حركة يمكن احتواؤها ويمكن إبقاؤها تحت الخيمة المصرية وإن كانت متعبة شيئاً ما، إلى حين وصول الأمر إلى موقف حماس من طرح القاهرة لمبادرة المصالحة الفلسطينية.

أصبح ضرب حماس رغبة مصرية ليس فقط لأنها عصابة يحتاج قادتها لجزّ رؤوسهم كما نقل، وإنما على المدى الكلي؛ يجب أن لا يبقى شيء قادر على الإعاقة اسمه حماس"

وعلى صلة بالموضوع فقد كشفت صحيفة هآرتس العبرية (6/1/2009) أن الرئيس حسني مبارك

صرح في جلسة مغلقة، يوم الاثنين (5/1)، في محادثة مغلقة مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، أنه "يجب منع حماس من الانتصار والخروج من هذه المواجهات وهي منتصرة".

وفي ذات السياق فقد أعلن نائب وزير الحرب الصهيوني متان فلنائي في مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي (30/12/2008): "أن العديد من الأطراف العربية تتفهم دوافع اسرائيل لخوض المواجهة ضد حماس، لافتا إلى أن «التفهم العربي» يعتبر أحد أهم الظروف التي أتاحت لإسرائيل شن حملتها العسكرية، وأن ثمة شعورا لدى الكثير من الحكومات العربية بأن هناك قاسماً مشتركاً بينها وبين اسرائيل في حربها ضد ما أسماه بـ «الإسلام المتطرف»" (نقلاً عن الدستور المصرية 5/1/2009)، فضلاً عن إ صرار النظام المصري على عدم فتح معبر رفح على الرغم من فداحة العدوان الصهيوني وحاجة القطاع الماسة لفتح هذا المعبر.

مصر أساءت لدورها التاريخي من خلال مواقفها السلبية تجاه حركة حماس، الموقف المصري يعد إساءة حقيقية لتاريخ مصر ومواقفها القومية.

مصر هي أكبر الخاسرين في هذه الحرب لأنها ستخسر إلى حدّ كبير تأثيرها في المنطقة، وكذلك لفقدان مصر لأمنها القومي وتكريس وجود مصر كطرف تحميه أمريكا فقط وبالتالي تثبيت واقع جديد مفاده أنّ إسرائيل هي القوة الإقليمية الوحيدة.

موقف سوريا وهو موقف يعتبر بواقع الأمر الحالي العدوان على قطاع غزة تهديداً للدور السوري نفسه، باعتباره تهديداً للوجود السوري نفس،ه بمعنى أن ضرب قطاع غزة كما هو إشارة تهديد لحزب الله وإشارة تهديد لإيران هو بشكل أو بآخر إشارة تهديد لسورية بهدف إخضاعها أيضاً وبهدف إقناعها بأنه ما عاد هناك إمكانية للخروج عن سياق أمريكي في المنطقة لا لدولة ولا لمنظمة ولا لمحور، وبالتالي سوريا تعي هذا الموضوع في دول أخرى تعي هذا الموضوع وتتعامل معه باعتبارات قومية و باعتبارات موضوعية جزء منها إنساني وجزء منها سياسي.

الدور الذي تؤديه قطر متوازن، يعطي للشعب الفلسطيني حقه، دور يحاول أن يحافظ على الشعب الفلسطيني ويدعم حقه بشكل أو بآخر، إضافة إلى الخطوة الهامة التي أقدمت عليها قطر بدعوتها إلى قمة عربية طارئة.

إلى ذلك كان الموقف الليبي واضحاً للغاية، من خلال كلمات مندوبها ووزير خارجيتها في مجلس الأمن، وكذلك الجزائر بموقفها المعلن على لسان شخصية رفيعة جداً في الجزائر "عزيز بلخا"دم في كلامه وتصريحاته واستقباله لأحد قيادات الحركة الذي هو سامي أبو زهري في زيارته للجزائر، إضافة إلى الموقف السودان أيضاً على لسان رئيسه واللقاء الأخير الذي جمع بين الرئيس البشير وبين قيادة "حماس" في دمشق وما يعنيه ذلك من مؤشرات إيجابية.

ظهرت شروخ وانقسامات في الموقف العربي، ليس من السهولة أن تلتئم بسرعة، وأكثر ما يدلل على ذلك هو فشل الزعامات العربية في عقد قمة في ظل هذا العدوان، رغم المحاولات الحثيثة لعقدها غير أنّ معارضة قادتها مصر وتوافقت معها دول أخرى حالت دون ذلك.

مبادرة تحت النار

إطلالة على المشهد الدولي:

- تفهم أوروبي للمعركة الصهيونية ضد غزة مع مقاربة إيجابية واحدة بإدانة العدوان على المدنيين .

- مبادرة أوربية تتعامل مع الطرفين بمنطق متساو بغرض الوصول إلى وقف إطلاق نار دائم دون تقديم أثمان سياسية تستفيد منها حماس بالتنسيق مع المطلب المصري.

- فاعلية الدور الفرنسي بقيادة مباشرة من الرئيس الفرنسي لاستعادة الدور الفرنسي في المنطقة.

- تغطية سياسية كاملة من إدارة بوش للعدوان الصهيوني مقرون بموقف عائم ومتأخر لأوباما، وعدم قدرة واشنطن على استخدام الفيتو لخشيتها من فقدان معسكر الاعتدال العربي.

- تحرك الدور الإقليمي لتركيا بالتنسيق مع سوريا وإيران .

- تمايز الموقف الروسي عن الموقف الأوربي والأمريكي.

فشل الاحتلال عن تحقيق أهدافه بالنار، قد يدفعه إلى النزول عن شجرة أهدافه، من خلال مبادرات دولية، تسعفه في الحفاظ على هيبته العسكرية المجروحة، وتسعفه بالانسحاب من غزة بالعودة إلى هدنة مشروطة بالسعي لتعديل شروطها لصالحه.

المبادرة بالصيغة الحالية جاءت لإنقاذ ما عجزت عن تحقيقه آلة الحرب العسكرية، ومن الملاحظ أنّها تأتي بدبلوماسية مصرية وبغطاء دولي يمنح مصر "الوكالة الحصرية" للتحرك في هذا الملف.

المبادرة المصرية تحمل في طياتها رسائل عديدة ولأكثر من طرف، منها ما يخص الطرف الفلسطيني "حماس"، يعني ومنها ما يخص منها الطرف الإسرائيلي.

توفّر المبادرة بصيغتها الحالية لمصر أمرين في غاية الأهمية؛ أما الأمر الأول فهو إعادة حماس "خانعة" إلى الحضن المصري، وأن تفهم حماس أنها لا تستطيع أن تتحرك بالملف الفلسطيني سواء كان ملفاً تفاوضياً سلمياً سياسياً أو ملفاً مقاوماً عسكرياً بدون الغطاء المصري، أما الأمر الثاني فهو دفع الجيش الصهيوني للتوقف عن الممارسات التي يمكن أن تجهض ما تظنه مصر مساراً سياسياً قابلاً للحياة ولو بعد حين.

الحرب السابعة .. النتائج المحتملة:

إطلالة على المشهد الصهيوني:

- عدم اتفاق المستوى السياسي والعسكري والأمني في تحديد الأهداف النهائية للحرب في غزة ثم اختلافهم في مواصفات ظروف إنهاء المعركة وشدة الاختلاف بينهم.

- السياسة التدميرية العالية المتبعة.

- البطء الشديد في تنفيذ العمليات مع محدودية الوقت المتاح قبل الانتخابات وقبل تغيير الرئيس الأمريكي وارتباك الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

- الأغلبية العظمى من الرأي العام الصهيوني في المناطق البعيدة عن غلاف غزة يؤيد ويدعم بشدة استمرار العملية العسكرية. وهو أمر لن يستطيع قادة تل أبيب (ليفني - باراك) التخلي عنه وتضييع فرصة استثماره في تعزيز شعبيتهما في مواجهة خصمهما المتشدد بنيامين نتينياهو إلا إذا جرى ضغط شديد عليهم من جهة بلدات الغلاف المحاذية للقطاع وتوسع بقعة الزيت الصاروخية للمقاومة.

- الموقف الصهيونية المتباينة من التهدئة: ضرورة وجود قوات دولية لمراقبة وقف إطلاق النار وتدويل القضية كما حصل في جنوب لبنان – اتفاق غير مكتوب يفرض وقف إطلاق النار دون التزامات – عدم الحاجة إلى اتفاق واعتماد مبدأ الرد العنيف على أي هجوم صاروخي.

- خسارة كبيرة في الحرب النفسية على الفلسطينيين وخسارة الصورة الإعلامية الإيجابية عن الكيان الصهيوني في الغرب بسبب استمرار سقوط المدنيين .

إطلالة على المشهد الغزّي:

- السيطرة الكاملة لحركة حماس على قطاع غزة بعد الحسم العسكري مما جعلها تتحكم في توفير البنية التحتية للمقاومة دون اعتراضات من القيادة السياسية أو الأجهزة الأمنية السابقة .

- الاستفادة من التهدئة السابقة في تعزيز قدرات المقاومة من حيث التجهيز والتدريب والتخطيط .

- الاستعداد المبكر للمقاومة التي تتحسب لهذه المعركة منذ مدة ليست بالقليلة.

- الحاضنة الشعبية الكبيرة للمقاومة والتي ساهمت في توسيع دائرة الانتساب لها وحمايتها من العملاء والأعداء .

- التنسيق العالي الذي صنعته حماس مع فصائل المقاومة وتشريع عملهم المقاوم وإسنادهم وإشراكهم في إدارة ملف المقاومة و الملف السياسي مما دفع الجميع للمشاركة حتى بعض القوى التي لا تتبنى العمل المسلح تتقدم ببيانات قوية عن عمليات وهمية لئلا تفقد حضورها.

- التفاعل الشعبي الكبير لدى الفلسطينيين في الشتات وفي الأرض المحتلة عام 48.

- بناء منظومة قتالية تعتمد عقيدة حرب العصابات والنشاط غير المركزي ومنح صلاحيات واسعة للميدان للتصرف دون الرجوع لقيادته المركزية.

- الاستفادة من تجربة المقاومة اللبنانية والتي تتشابه فيها كثيراً مع ما يجري على الأرض.

- التضامن العربي والإسلامي الضخم والذي لم ينقطع طيلة العدوان .

- الأداء الإعلامي العربي الذي أسند المقاومة بقوة وانحياز أرهق الدعاية الصهيونية المضادة وكشف عن وحشيتها.

- النشاط القوي للأذرع الإعلامية للمقاومة الفلسطينية الفضائي والإلكتروني، ودخوله إلى جبهة المعركة المباشرة.

- الوضع الدفاعي لحماس في مواجهة الاقتحام البري بعد نفاد بنك الأهداف الجوية.

عند الحديث عن المنتصر والمهزوم؛ قد لا يكون من الدقة بمكان الحديث عن حقائق تدعم الانتصار أو هزيمة بالمعنى العسكري الميداني الحاسم وهذا بالضرورة يقودنا لنتكلم عن النتائج في مجال تحقيق الأهداف.

جيش الاحتلال يقاتل حتى يبني منظومة الردع ويستعيد هيبة فقدها في حربه الأخيرة مع حزب الله ولأسباب أخرى تقدّم ذكرها، أمّا المقاومة الفلسطينية فظهرها للجدار وبالتالي فإن ما تقوم به من فعل مقاوم يضمن بقاءها ووجوها أساساً، وانطلاقاً من هذه الأسس نرى أنّ ما تقدّمه المقاومة يأتي في سياق دفع الأثمان وليس في سياق الخسائر.

مفاجآت المقاومة التي تتجلّى نجاحها الباهر في التعمية عن ما لديها من قدرات وإمكانات قتالية، إضافة ً إلى قدرة المقاومة فعلياً على أن تصل بصورايخها إلى مديات لم تكن بحسبان العدو، تشكل عاملاً إضافياً يجعل من المقاومة قادرة على أن ترسم مسار الحرب، فإذا استطاعت المقاومة إضافةً إلى صمودها أن تحافظ على نسق معقول من الصواريخ التي تطلق برغم وجود الدبابات المحيطة فإن ذلك لن يخدم فكرة استمرار الحرب بالنسبة للجيش الصهيوني.

ما بعد الحرب.. رابحون وخاسرون

بعد الحرب يبدأ فرز الرابحين والخاسرين؛ أما السلطة الفلسطينية وحركة فتح فتأتي كأحد أهم كبار الخاسرين؛ فواضح أن السلطة الفلسطينية وحركة فتح وبغض النظر عن نتيجة المعركة قضت على ما تبقى لديها من مخزون نضالي وطني، ومن أكبر الخاسرين النظام المصري داخلياً وإقليمياً وهذه خسارة لن تعوض، من ضمن الخاسرين النظام العربي نفسه، وفي المقابل نهج المقاوم الفلسطيني تحديداً والعربي عموماً سيكون الطرف الأكثر ربحاً بغض النظر عن نتيجة الحرب.

الخاتمة

لا يعني رفض الاحتلال الالتزام بوقف إطلاق النار بموجب القرار 1860 الصادر عن مجلس الأمن (9/1/2009)، بأنه لا يبحث أو يرغب بمخرج سياسي ينقذه من الشرك الذي وقع به في قطاع غزة، ولكنه ـ وعلى الرغم من أن القرار الدولي جاء منحازاً في بنوده لصالح الكيان الإسرائيلي ـ يشعر ويدرك بأن الوقت لم يحن بعد لوقف إطلاق النار لفشله في تحقيق أي من الأهداف التي حددها لنفسه، وهو يتخوف من أن تخرج "حماس" والمقاومة الفلسطينية من هذه المعركة منتصرة بعد الصمود البطولي الذي قامت به أمام الهجمة الشرسة لأعتى جيش في الشرق الأوسط، ومن هنا فإن الاحتلال الآن يسعى وبكل من أوتي من قوة، لاستغلال ومسارعة الزمن بغطاء من الولايات المتحدة ـ التي امتنعت عن التصويت لصالح القرارـ لإنجاز أي من الأهداف التي عجز عن تحقيقها طوال الأسبوعين الماضين، في محاولة منه للحفاظ على هيبة جيشه، واستعادة قدرة ردعه المفقودة التي أثخنتها صواريخ المقاومة الفلسطينية، وذلك قبل أن تصل الضغوط السياسية مداها مع ازدياد وتواصل ضغط الرأي العام العالمي الذي لم يهدأ نصرة لغزة والمقاومة التي ثبتت وصمدت في مواجهة الاحتلال.

الاحتلال سيعمد في الساعات والأيام القليلة القادمة إلى المزيد من العمليات العسكرية المتوترة، في موازاة ازدياد التحرك الدبلوماسي الرامي إلى البحث عن مخرج للمأزق الذي وقع فيه الاحتلال، أي التفاوض تحت النار علّه يفلح في إنجاز اتفاق يحفظ له ماء وجهه بعد أن تلطخت يداه بدماء المدنيين الفلسطينيين.

ومن هنا يصبح الطريق مفتوحاً للتحركات الدبلوماسية الإقليمية الموازية لاستمرار المعارك على الأرض التي بدورها ستحسم الكفة السياسية لصالح هذا الطرف أو ذاك، ومن الواضح لحد الآن أن المقاومة بقيادة حركة حماس سيكون لها كلمة فصل وثقل بارز في أي "اتفاق" سياسي مرتقب، وذلك بقدر الصمود والتضحيات التي دفعها الشعب الفلسطيني ثمناً لثباته على موقفه السياسي الرافض للتفريط بالحقوق السياسية الثابتة للشعب الفلسطيني..، وهذا ما قد يترجم في أي "اتفاق" قد تتوصل إليه القاهرة بشراكة مع تركيا التي تتمتع بعلاقات وتقاطعات مع جميع الأطراف المعنية بما فيها الكيان الإسرائيلي وحركة حماس.

بلا شك أن عوامل الصمود التي يتمتع بها الشعب الفلسطيني والمقاومة في غزة، وقدرتها على إفشال مخططات العدو ودوام واستمرار المد الشعبي المناصر لغزة، هي العنصر الأساس الذي يُرتكز عليه في حقن الدم الفلسطيني. والعنصر الأساس الذي سيرغم الأطراف الأخرى عربية كانت أم صهيونية إلى الالتزام بوقف العدوان، ورفع الحصار عن الشعب الفلسطيني، وهذا ممكن في ظل علامات وإرهاصات الصمود البطولي الذي أبدته المقاومة التي ترتكز إلى قوة الله أولاً، ثمّ إلى ما استطاعت إليه سبيلا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق