السبت، 13 يونيو، 2009

جُرأة الأمل.. أفكارٌ عن استعادة الحُلْم الأمريكي..أوباما

1_200962_5177

ملخص كتاب جرأة الأمل لاوباما

The audacity of Hope

في كتابه يستعرض بارك أوباما ـ وذلك قبل أن يُصبح رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث صدر الكتاب في طبعته الانجليزية الأولى عام 2006 م ـ كيفية البدء في عملية تغيير سياسة الولايات المتحدة الأمريكية وحياتها المدنيَّة نحو الأفضل. ويوضح أن كتابه مستمَدٌّ مباشرة من أحاديثه مع الناس خلال حملته الانتخابية.

يقول أوباما: لقد وُلد هذا الكتاب وَنَمَا عبر محادثاتي مع الناس، ويضم أفكاري ومعتقداتي، عبر تسعة فصول ثم خاتمة ومقدمة في بداية الكتاب، مشيرًا إلى أنَّ مقابلاتِه ولقاءاتِه مع الناخبين لم تؤكد له ما يتمتَّعُ به الشعبُ الأمريكي من لِيَاقَة وذوْق وحشمة فقط، بل ذكَّرته أيضًا بأنَّ مجموعة من المُثُل العليا التي ما زالت تحرِّك الضمير الجمعي تقع في صميم التجربة الأمريكية، مؤكدًا في الوقت نفسه على مجموعة مشتركة من القيم العليا التي تجمع الأمريكيين معًا، على الرغم من الاختلافات التي تفرِّق بينهم. ويتناول الكتاب عمل أوباما حينما كان عضوًا في مجلس الشيوخ، وبحثه عن التوازن بين مطالب الخدمة العامة، ومتطلبات الحياة المهنية والعائلية والتزامه الديني، طارحًا بعمق فكرة الجرأة التي جمعت الأمريكيين كشعبٍ واحد، مبينًا أنها روح الأمل التي ربطت قصة عائلته مع قصة المجتمع الأمريكي الأكبر وقصته الشخصية مع الناخبين الذين يسعى إلى تمثيلهم بصدق وحب وشغف. ويلخِّص الكتاب التأملات الشخصية عن القيم الأمريكية التي قادت الرئيس أوباما إلى الحياة العامة ومسرح الأحداث ثم إلى سُدَّة الحُكم في أكبر دولة في العالم.

يقول: باسم ولاية إلينوي العظيمة، تقاطع طرق البلاد الرئيس، وأرض لنكولن، اسمحوا لي أن أعبِّر عن امتناني العميق لمنحي شرَفَ مخاطبةِ هذا المؤتمر. وهذه الليلة شَرَفٌ كبيرٌ لي؛ لأنَّ وجودي على هذا المسرح ـ ولنكن صادقين مع أنفسنا ـ هو أمرٌ بعيدُ الاحتمال بالنسبة لي. فقد كان والدي طالبًا أجنبيًّا، وُلد ونشأ في قرية صغيرة بكينيا. ونشأ وهو يرعى الماعز، وذهب إلى مدرسة موجودة في كوخ يعلوه سقف من الصفيح. وكان أبوه ـ جَدِّي ـ طَاهِيًا وخادمًا في أحد المنازل، لكن جَدِّي حمَلَ أحلامًا أكبرَ بالنسبة لابنه. وعن طريق العمل الجاد والمثابرة، حصل والدي على منحة دراسية للدراسة في مكان سحْرِيٍّ هو أمريكا التي كانت منارةً للحرية والفرص لعدد كبير من الناس الذين جاؤوا قبله. وأثناء دراسته هنا التقى والدي بوالدتي التي ولدت في بلدة على الجانب الآخر من العالم في ولاية كانزاس. وعمل والدها في معدّات حفر آبار النفط والمزارع خلال معظم سنوات فترة الكساد الاقتصادي. وفي اليوم التالي للهجوم على بيرل هاربر، تطوع جدي للخدمة العسكرية، وانضم لجيش الجنرال باتون، وقام بالزحف عبر أوروبا. وقامت جدتي في الوطن بتربية رضيعتها، وعملت في مصنع لتجميع الطائرات القاذفة. وبعد الحرب قاما بدراسة قانون أفراد القوات المسلحة، واشتريا منزلًا عن طريق قروض إدارة الإسكان الفدرالية، وانتقلا إلى الغرب بحثًا عن فُرَصٍ أفضل. وكانت لديهما أيضًا أحلامٌ كبيرة لابنتهما، وهو حلم عادي وُلد في قارتين. ولقد تَشَاطَرَ وَالِدَايَ الإيمان الراسخ بإمكانيات هذه الأمة. وقد منحاني اسمًا إفريقيًّا هو "باراك" أو "مبارك"؛ إيمانًا منهما بأن اسمك لا يشكِّل حاجزًا أمام النجاح في أمريكا المتسامحة. وتصوَّرَا ذهابي إلى أفضل المعاهد العِلميَّة في البلاد، مع أنهما لم يكونا غنيَّيْن، لأنك لا تحتاج لأن تكون غنيًّا في أمريكا لتحقيق أحلامك.

في مقدمة الكتاب الذي أهداه أوباما إلى امرأتين؛ جدته لأمه التي ربَّتْه وعلَّمَتْهُ "توتو" وإلى أمه التي منحته بروحها المحبة للحياة حتى هذه اللحظة، أشار أوباما إلى بداية عمله السياسي وترشُّحه لمجلس ولاية النيوي، ونجاحه في ذلك، واستمراره في التدريس في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو، ثم بعد ست سنوات رُشِّحَ لمجلس الشيوخ، ورغم فشله إلا أنه عَاوَدَ الكَرَّةَ بعد سنة، ونجح وأظهر تضامنًا مع آراء الناخبين الذين لا يريدون العيش مع المجرمين والإرهاب، ويريدون كذلك بيئة نظيفة وتقاعدًا يضمن لهم عيشةً كريمة ورعاية لأطفالهم. وأشار إلى ضرورة العودة إلى القِيَم الأمريكية التي لا تزال تحرِّك الضميرَ الجَمْعِيَّ للمجتمع الأمريكي، وأنَّ أهمَّ التحديات التي تواجه الأمة يجرى تجاهلُها، وأنه يشعر بالغضب من السياسات التي تحابي الأغنياء، ولا توفر الفرص للجميع، ويدعو إلى حل مشكلة الاحتباس الحراري، ويؤمن بحرية الكلام، ويرفض استخدام الحكومة لفرض المعتقدات الدينية.

تناول في الفصل الأول إعادةَ هيكلة التعليم في الولايات المتحدة وتطويره، لاسيما في مجال الرياضيات والعلوم، واهتمَّ بموضوع التعليم في الأحياء الفقيرة، فضلًا عن إعادة النظر في نظام الرعاية الصحية المهم جدًا، وهو ينتقد أداء النظامَيْن التعليمي والصحي في الولايات المتحدة، مما يدل على أنهما سيحتلَّان مكانًا بارزًا في رئاسته. كما ينتقد ضِيقَ أُفُقِ السياسة الأمريكية التي تهتم بالسَّطْحِيِّ التَّافه وتتجنب القرارات الصعبة. وفيما يتعلق بالإرهاب الدولي يرى أنه صراع مسلَّح وحرب أفكار، ويدعو إلى استخدامٍ حصيفٍ للقوة. وهو يدعو إلى رفض خيار الحرب أو الانعزال في السياسة الخارجية. وفي نَقْدِهِ لأداء الزعماء الأمريكيين نجده يتحرَّرُ من الأيدلوجية والحزبية الضيقة. ويعتبر ريجان وكلينتون نموذجين لرئيسين مارسا الصراحة مع شعبهما دون التَّزَمُّت السياسي.

كما يشير إلى دور الدين في رسم السياسة الاجتماعية في الولايات المتحدة أكثر من دوره في رسم السياسة العامة. وهو ينتقد الأصولية المسيحية، ويرى أنَّ فصْلَ الكنيسة عن الدولة يحمي الكنيسة والدولةَ معًا، وأن على السياسة الخارجية الارتكاز على حقائق واقعية، لا التَّعَلُّلُ بالآمال والأمنيَات. كما يرفض، في الوقت نفسه، لهجةَ الجدل الكريهة والكاذبة، ويطالب باتِّبَاع منهجٍ أقلَّ تزمتًا في السياسة. ويؤكد على دور الانترنت في تحسين وسائل الحوار والجدل، ويُنهي الفصلَ بتعريف السياسة بأنها موائمةٌ بين المثاليَّة والواقعيَّة والتَّمْيِيز بين ما يمكن التنازلُ عنه وما لا يمكن.

أما في الفصل الثاني، فيشير إلى اهتمام بوش بأوباما بعد انتخابه سنتاتورا، عندما زاره مع بعض الشيوخ المنتخَبين حديثًا، وأسدى له نصيحة بعد أن قال له: أمامك مستقبل مشرق جدًّا. ويصف أوباما حربَ العراق التي خاضها بوش بأنها خطيئة باهظة التكاليف، كما يلاحظ عدم تبرُّئِهِ من أصله الكيني الأفريقي، ويشير إلى زيارته لموطن أجداده، فضلًا عن وصف نفسه، وعلى شاكلة العديد من المحافظين، بأنه يؤمن بقوة الثقافة لتقرير النجاح الفردي واللُّحمة الاجتماعية، وهو يدعو إلى تحسين لغة الحوار بين فئات المجتمع الأمريكي، سواء على الصعيد الاجتماعي أو الاقتصادي أو العرقي أو السياسي.

بينما في الفصل الثالث ينتقد، بصراحة جرئية، انتهاكَ القانون الدولي من قِبَل إدارة بوش، ويرفض التبريرات التي قُدِّمَتْ لتفسير ذلك. وعند حديثه عن معركة السيطرة على المحاكم الاتحادية بين الحزبين من خلال ترسيخ القُضاة، لاسيما في المحكمة الاتحادية، يشير إلى أن أهميَّتَهَا تكمُن في أنها المَعْقِلُ الأخير لإباحة الإجهاض ومنح الأقليات والنساء والمساواة، وأجازة العلاقات المِثْلِيَّة، واللين تجاه الجريمة. ويرى أن روح الدستور تدعو إلى أنَّ عمل مجلس الشيوخ يقوم على الإجماع العام. فمن حق الأقلية أن تمارِس إعاقة القوانين.

كما يشير إلى أنَّ نجاح الآباء المؤسسين للولايات المتحدة في وضع دستور يقوم على فدرالية تُبقي السلطة بين حكومات الولايات وحكومة وطنية تنقسم إلى ثلاثة أقسام وكونجرس من مجلسَيْن يهدِف إلى موازنة المصالح ومنع طغيان الأقلية أو الأكثرية، وأنَّ قضاة المحكمة العليا انقسموا ـ حسب كونهم محافظين ولبراليين ـ إلى مَنْ يدعو إلى التمسك بالمعنى الحرفي للمواد الدستورية، وبين من يدعو لأن يُؤخذ في الحسبان السياقُ والتاريخ والنتائج العملية لأي قرار يُتَّخَذ، كما يدعو إلى الالتزام بإطار الدستور الذي ينظم أسلوب الجدل حول المستقبل. ويعترف بالنواقص والظلم الذي شاب بعض مواد الدستور في مسألة العبودية، وكذلك محدودية حق الانتخاب لفقراء البيض والنساء آنذاك.

ولا ينسى أوباما في الفصل الرابع أن يشير إلى دور الكنيسة الاجتماعي، وفي النهاية، التوجيهي، فضلًا عن واجبها الديني الرئيس، ودور الإعلام في تلميع أسماء المرشَّحين للانتخابات، ودور المال في تحقيق الفوز؛ فالمال هو الذي يصنع السياسات، كما يشير إلى ظهور أشكال مفضوحة من الفساد السياسي، ويرى أنه ما يزال في واشنطن مَنْ يَعُدُّونَ السياسةَ وسيلةً للغِنَى وسُلَّمًا للثراء. كما يحتاج المرشح إلى الجماعات المنظمة التي تُدير الحملةَ الانتخابية، مثل اليمين الديني وجمعيات وغرف التجارة لدى الجمهوريين، والنقابات وحماة البيئة ودعاة الإجهاض لدى الديمقراطيين. كما يسلِّط الضوءَ على دور الصحافة والقنوات التلفزيونية في العمل السياسي. فضلًا عن دور المدونات على الانترنت، وكلها تلعب دورًا في زيادة ابْتِذَالِ وخشونة الثقافة السياسية.

ويوجِّهُ نقدًا قويًّا إلى معتقل جوانتانامو والمعاملة السيئة والمشينة التي تمَّت مع السجناء ومقدساتهم الدينية، مثل رَمْيِ القرآن الكريم في المرحاض. وينتهي إلى القول بأنه يصعُب قولُ الحقيقة على السياسي كما هي، لاسيما حين تكون الحقيقة معقَّدة أو جارحة، فقد تُسبِّبُ الحقيقةُ الفزعَ والانزعاجَ وتستفز الهجوم.

كما تحدَّثَ عن محنة عضو مجلس الشيوخ عندما يكون في الأقلية؛ فالمساومات والتَّسْوِيَاتُ تكون محدودة. ويختم الفصل بمقولة لجون كنيدي: إنك لابد أن تُغضب بعض الناس مهما فعلت، وأن الهجمات السياسية ستُشَنُّ عليك مهما كنت حذِرًا في التصويت.

وفي حوار له مع أحد ناخبيه، والذي من خلاله رفض أوباما انسحابًا متعجلًا من العراق يؤدي إلى نشوب حرب أهلية طاحنة مع احتمال انتقال الصراع إلى أنحاء الشرق الأوسط، يشير إلى أن هذا الناخب أَجَابَهُ بأنه يشعر بالارتياح؛ لأن أوباما يفكر في الأمر جديًّا.

وتحدث في الفصل الخامس عن الشركات العملاقة في مجال المعلومات والاتصالات، مثل "جوجل"، والتي أصبحت ـ لاسيما في منتصف 2004م ـ رمزًا لا يمثِّلُ مجرَّدَ القوة النامية للانترنت، بل التحوُّل السريع الذي أصاب الاقتصاد العالمي.

كما أشار إلى تأثير أحداث أيلول/سبتمبر على قبول الجامعات للطلبة الأجانب؛ بسبب صعوبات التأشيرة، وهو ما ساهَمَ في اضطرار هذه الشركات ـ في سبيل الحصول على مصممي البرامجيات والمهندسين ـ إلى الانتقال للهند والصين، وغدت الأموال المستثمَرة في مومباي وشنغهاي مماثلةً لتلك المستثمَرة في كاليفورنيا. فضلًا عن أنَّ التقدم في التِّقَنِيَّة الرقميَّة والألياف البصرية والانترنت جعلت الشركات الأمريكية تُلاقِي منافسةً خطيرة خارج أمريكا، لاسيما في الصين والهند، فالصين تخرِّج ثمانية أضعاف المهندسين الأمريكيين. وهو يرى أنَّ الاستثمار في مجال التعليم والطاقة سيحرِّر أمريكا من الاعتماد على النفط الأجنبي. وأشار إلى حجم تهديد القاعدة لوَارِدَاتِ النفط، وأنَّ أيَّ هجوم ناجح على إحدى المنشآت النفطية في الخليج يمكن أن يُسبب إرباكًا شديدًا للاقتصاد الأمريكي.

كما تحدث عن التغيُّر المَناخي المترتِّب على تلوُّث البيئة والاحتباس الحراري، ويدعو إلى تمويل أبحاث الطاقة البديلة، ويشير في هذا الصدد إلى نجاح البرازيل في تحويل قصب السكر إلى وقود. كما يقدِّمُ أيضًا مقترحاتٍ حول جعْلِ أمريكا أكثرَ قدرةً على المنافسة.

وفي معرض حديثه عن الضمان الاجتماعي وتضخم تكاليف الضمان للعمال يقدِّم حلولًا لذلك. وفي موضوع الأجور يشير إلى أنه منذ أوائل الثمانينات ظلت النقابات في حالة تراجُع مستمر، لا بسبب التغيرات في الاقتصاد فقط، بل لأنَّ قوانين العمل الحالية لم توفِّر للعُمال حماية كافية.

وفي الفصل السادس يناقش أمورًا خلافيَّةً في المجتمع الأمريكي؛ حيث يرى أنَّ من القضايا المسَلَّمِ بها أنَّ الأمريكيين شعبٌ متديِّن، وأن 95% من الأمريكيين يؤمنون بالله، وأكثر من الثلثين ينتمون إلى إحدى الكنائس. وهو يشير إلى أن كارتر كان أول من أدخل مفردات المسيحية الإنجيلية في قاموس السياسة الأمريكية الحديثة، وهناك يقظة إنجيلية استثمرها الجمهوريون، ويشير إلى تحوُّل الكنائس البروتستانية إلى الكنائس الإنجيلية اللاطائفية.

وعن تجربته الدينية يشير إلى أنه كان في بيت والدته الإنجيل والقرآن وأغنية الرب الهندوسية إلى جانب أساطير اليونان، وأن زوج والدته الاندونيسي ملحد، ولا يوجد ما يدل على تلقِّيه تعليمًا إسلاميًّا مبكرًا في أندونيسيا، رغم إشارته إلى الْتحاقه بمدرسة إسلامية بعد المدرسة الكاثوليكية، وأن والدته كانت أقلَّ اهتمامًا بتعليمه الدين ومعنى أذان العشاء من تعليمه جدولَ الضرب.

وهو يؤمن بالمعنى الإيجابي للدين، وأن للدين دورًا مهمًا في حل أكثر المشكلات الاجتماعية إلحاحًا وأهمية. وفيما يدعو إلى عدم الاكتفاء بمناهضة اليمين الديني، بل أخْذ الدين على محمل الجِدِّ، وبغضِّ النظر عما كانت عليه أمريكا الآن؛ حيث لم تَعُدْ أمُّهُ نصرانية، حيث يقول :نحن أمة يهودية ومسلمة وبوذية وهندوسية وملحدة. ويدعو في الوقت نفسه إلى مصالحة بين مَنْ يحرسون الحدود الفاصلة بين الكنيسة والدولة وبين أولئك الذين يؤمنون بدور الدين في الحياة والدولة، ويؤمن باستخدام المباني المدرسية للصلاة الطوعية.

ويمكن وصف أوباما بأنه ضمن الملتزمين دينيًّا، وإن كان له وجهة نظر في إباحة الإجهاض ورفض الإباحية، ويعارض زواج المثلين جنسيًا، وإن كان لا يُنكر حقهم في اختيار شكل العلاقة التي تروق لهم.

وفي الفصل السابع يرى أن أمريكا لا تزال، رغم كل الإصلاحات، تعاني من التمييز العنصري، وإن كان بأشكال مختلفة، فهناك اليوم إلى جانب السود، اللاتين المهاجرون من المكسيك وأمريكا الوسطى والجنوبية، فضلًا عن الآسيويين. ويشير إلى أن أمريكا بعد 2050 بقليل لن تعود أمة غالبيتها من البيض، بكل ما لذلك من تَبِعَات ـ لا يمكن التنبُّؤ بها تمامًا ـ على الاقتصاد والسياسة والثقافة. ورغم أنَّ الأغلبية من أبناء المجتمع الأمريكي قادرة على تجاوُز مسألة العِرْق عند الحُكم على الناس، ومع ذلك لم تختفِ الأحكام المسبقة والمتميزة، ورغم أنَّ وضعَ السود تحسَّنَ اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا بشكل كبير، وكذلك الأمر بالنسبة لـ"اللاتين"؛ حيث ازدادت العوائل التي تنتمي إلى الطبقة الوسطى بنسة 70% خلال 1979- 1999م، مع ذلك فلا يزال أجر العامل الأبيض أعلى، يليه الأسود فاللاتين، ويرى أوباما أنه لابد من تطبيق القوانين المناهضة للتفرقة العنصرية في مجالات أساسية، مثل الاستخدام والإسكان والتعليم. وهو في هذا الفصل يستفيد من تجربته كمحامٍ في قضايا الحقوق المدنيَّة، ولحل هذه المشكلة يقترح وضعَ جداولَ زمنيةٍ وأهدافٍ لتوظيف عُمَّالِ الأقليات. وهو يطالب السود برفع مستواهم؛ عبر تقليل ساعات مشاهدات التلفزيون والتدخين والطعام الدسم، ويطالبهم بأن يكونوا هادئين في خطابهم السياسي، لأن ذلك يُبعدهم عن استفزاز البيض ويكسبهم وُدَّهُم.

كما يدعو إلى محاربة بؤس سكان الأحياء الداخلية من السود، لإنقاذهم من الجريمة والفقر والمخدرات، وأن هذا يصُبُّ في مصلحة أمريكا؛ حيث أنَّ هناك علاقةً وثيقة بين البطالة والجريمة.

كما يعالج أيضًا في هذا الفصل مشكلة الهجرة بكل تداعياتها على المجتمع الأمريكي، والتي تُشعل شرارة الخوف من مستقبل غامض يَلُفُّهُ عدمُ اليقين. وهو متعاطف مع الأمريكان العرب والباكستانيين بعد أحداث أيلول/سبتمبر، وأشار إلى أنه سيقف معهم، كما تحدث عن التوتر بين السود واللاتين بسبب التنافس على فرص العمل، حيث ارتفع عدد اللاتين ما بين 1990- 2000م إلى 38%. وهو يؤيد قانون الهجرة الذي صدر عام 2006م لمعالجة مشكلة الهجرة غير القانونية.

وفي الفصلَيْن الثامن والتاسع، تحدث عن دور العولمة في التأثير على صناعة القرار السياسي الخارجي في أمريكا، مشيرًا إلى أنه طالما أدَّت العولمة إلى جعْل أمْنِ أمريكا واقتصادها وصحَّتِهَا رَهْنًا للأحداث التي تجري في الطرف الآخر من العالم، وأنه يجب رفضُ سياسة العُزْلَةِ التي تَنَامَتْ في صفوف الحزبين، لأنه يرى أن أمْنَ أمريكا مرتبط بأمن العالم، فيقول: إذا أردنا أن نجعل أمريكا أكثرَ أمانًا وأمْنًا، فعلينا أن نساعدَ في جعْل العالم أكثرَ أمانًا وأمنًا. ويرى أن التهديد اليوم لا يأتي من الدول المركزية، وإنما تلك الأجزاء من العالم التي تقع على هامش الاقتصاد العالمي، والتي غالبية سكانها من الفقراء، ويَشِيعُ فيها الفسادُ السياسي والمالي، وأن المنظمات الإرهابية قادرة على زعزعة الاستقرار بما تمتلكه من أسلحة وتقنية يمكن شراؤها من السوق السوداء؛ إذ أنَّ التحديَ اليومَ ليس حربًا عالمية ثالثة، وإنما مواجهة تحدياتِ دولٍ مارقة كإيران وكوريا، ودولٍ منافسة مثل الصين، وأنَّ من حق أمريكا اللجوءُ إلى العمل العسكري الأحادي لمواجهة أي تهديد وشيك، وكذلك الضربات الاستباقية. ولكنه يرى أن من الأفضل أن تكون الأهدافُ مشروعةً وأخلاقيَّةً، ومع ذلك يفضل أوباما التصرُّفَ بأسلوب جماعي لا أحادي عند استخدام القوة؛ لأن ذلك يخفف من عبء العمل العسكري، ويحسِّن الوضعَ الأخلاقيَّ لأمريكا. كما يدعو إلى أن تقوم السياسة الأمريكية على بذل المساعدة من أجل تقليص مجالات انعدام الأمن والفقر والعنف في شتى أنحاء العالم وإعطاء مزيد من الشعوب الحقَّ في المشاركة في النظام الذي خدم أمريكا.

وهو يشير إلى أن الديمقراطية يجب أن لا تُفرض من الخارج، وإنما تأتي نتيجة يقظة داخلية، وهنا أمريكا بإمكانها المساعدة على ذلك؛ عبر حماية حقوق الإنسان والصحافة الحرة والانتخابات النزيهة والضغط الاقتصادي والدبلوماسي على الحكَّام الطُّغاة.

كما يدعو إلى تحسين أداء البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، في معالجة الفقر في العالم، وإعادة النظر في نظام المساعدات الخارجية الأمريكية للدول، إذ أنَّ هذه السياسات ظلت زمنًا طويلا تتجاهل الدورَ الحاسم الذي يلعبه القانون ومبادئ الشفافية في تنمية وتطوير أي بلد.

ويدعو أخيرًا إلى اتِّباع سياسة خارجية مع الدول الفاشلة، التي لا تستطيع السيطرة على أراضيها، تقوم هذه السياسة على دعم قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، إذ أنَّ ذلك يقلِّصُ اهتمامَ قيام أمريكا بدور الشرطي في العالم، كما يقدم صورة قائمة لاحتمال السلام في القضية المركزية في الشرق الأوسط، وهي الصراع العربي ـ الإسرائيلي في فلسطين، إذ أنَّ من العبث الاعتقاد بإمكانية حل هذا الصراع في عصر جيلينا الحالي، وقدرة أمريكا، على الرغم من قوتها الكاسحة، على تحديدها الأحداث في العالم.

لقد كانت خلاصة رؤية أوباما تقول: إن التغيير لا يأتي إلا بتعبئة الناس على المستوى القاعدي الشعبي‏،‏ وأنه لابد من الربط بين أشكال الاحتجاج التقليدية ـ كما اختبرتها حركة الحقوق المدنية تاريخيًّا ـ وبين قواعد اللعبة السياسية، بمعناها المركب، وليس السطحي. وكذا أهمية أن يتوفر الفهم الاجتماعي اللازم لإدراك طبيعة العلاقات الاجتماعية بين فئات المجتمع‏.‏‏ وضرورة استعادة الطبقة الوسطى في هذه العملية المجتمعية بمواطنيها من السود والبيض‏، ‏حيث المعاناة واحدة، ولن يكون الاختلاف اللوني ـ عندئذ ـ عامل اختلاف‏.‏

إنَّ التَّرَدِّي الاقتصادي الذي أصاب الطبقة الوسطى بلونيْهَا‏..‏ وتعاظُم التفاوت الاجتماعي منذ عهد ريجان‏,‏ أدَّى إلى ضياع هذه الطبقة‏، ‏أو بحسب أحد الباحثين،‏‏ الطبقة المفقودة‏/‏الضائعة‏.‏

الطبقة الوسطى في نظر أوباما هي العمود الفقري لأي تغيير‏، لذا سوف نجد كيف ركَّزَ في أثناء الحملة الانتخابية على أهمية استعادتها بعد أن أضاعتها الضرائب الظالمة‏,‏ والديون‏,‏ وتم ‏'‏تجميد‏'‏ أي فاعلية‏/‏حركية لها‏.‏ وحدد مجموعة من الإجراءات لتحقيق ذلك، من ضمنها‏: ‏مد مظلَّة التأمين الصحي للجميع‏,‏ وإعفاءات ضريبية للشرائح الوسطى, و‏وضع سياسة توظيفية جديدة‏. ‏وأعطى أوباما اسمًا لهذه الخطة هو‏: ‏"نحو إعادة بناء الطبقة الوسطى". وكان أول قرار اتخذه أوباما بعد أن تولى الرئاسة بأسبوع‏ (نهاية يناير الماضي‏),‏ هو أن شكَّلَ مجموعة عمل برئاسة نائب الرئيس جوزيف بايدن، خاصة بالطبقة الوسطى؛ بقصد دعمها لتكون قادرة على النضال، ولتكون طرفًا أساسيًّا في اللعبة السياسية، غيرَ مستبعدٍ أو مهمَّش‏. ويعتبر أوباما أن قوة الطبقة الوسطى إنما تعني قوة الولايات المتحدة الأمريكية‏. كما يربط أوباما بين قوة الطبقة الوسطى وبين قدرتها على تنظيم نفسها من خلال الاتحادات والروابط والنقابات التي تم تحجيمها في السابق‏، ومن هنا كان حرص أوباما على أن يكون للطبقات الوسطى نصيب في الكعكة‏.‏

وفي سبيل تحقيق هذا الهدف‏، نجد أوباما حريصًا في الميزانية التي قدمها على أن تُرَاعِيَ البُعد الاجتماعي‏؛ ‏فلقد ركَّزَ كثيرٌ من المتابعين على تحليل الميزانية من الجانب الذي يخص مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية للأزمة الاقتصادية فيما يخص الأثرياء والقروض والاستثمارات‏,‏ وأهملوا الجانب الذي يخص الفئات الوسطى والفقيرة، ‏‏حيث ركزت الميزانية على ضرورة التعليم والصحة للجميع، والاهتمام بالبنى التحتية، وبالأخص في المناطق الفقيرة‏.‏

ويُظهر الكتاب بوضوح أن أوباما من السياسيين القلَّة الذين يملكون موهبة الكتابة بأسلوب بليغ وأصيل ومؤثر، لذلك يتمتَّع كتاب "جرأة الأمل" بروح وثابة وقوة تغييرية متدفقة، تكشف عن رأيه الصريح بأن إصلاح العملية السياسية المنهارة وإعادة تنظيم آليات عمل الحكومة التي افتقدت الصلة إلى درجة الخطر مع المواطنين العاديين لن تكون إلا بالعودة إلى المبادئ التي أنْتَجَتْ الدستور الأمريكي.

ويُعد كتاب باراك أوباما مُتعة فكرية وأدبية، تحمل القارئ إلى رحلة في عقل وقلب رجل عادي في نشأته، يماثِل الكثيرين من البسطاء الموهوبين عبر شطآن القارات الخمس، فكما كتب باراك أوباما كتابه الأول عام 2004 "أحلام أبي"، راصدًا ذكرياته الإفريقية والأمريكية، وصراعه الحضاري والعرقي الذي نشأ من زواج أبيه الأسود بأمه الأمريكية البيضاء، وتنقله بين قارتين وحضارتين وعرقين ودينين، فإن كتابه الثاني هذا "جرأة الأمل" الذي صدر عام 2006 بعد أن أصبح ذلك المحامي الأسود سيناتورا أمريكيًّا لولاية شيكاجو هو كتاب أدبي في المقام الأول أكثر منه كتابًا في السياسة أو أمور الدولة؛ ذلك لأن الكتاب يطرح وجهة نظر كاتبه الديمقراطي الحر الفكر والتوجه، الحالم بغدٍ أفضل لوطنه وللعالم أجمع، كما لو كان ما يكتبه أوباما هو وثيقة عقد اجتماعي جديد بين العالم الحر المتحضر وبين الإنسان في كل مكان، دون النظر إلى أية اعتبارات عِرقية أو نوعية أو دينية أو حتى اقتصادية، فهو يقول أخطر جملة على لسان سياسي وحاكم دولة حالي، ألا وهي "أوهامي قليلة عن قدرة أعدائي.. لكنني أُقَدِّرُ قوةَ وشجاعة جيشي"، ذلك أنه في تصوره لأعدائه لا يقلل من قيمتهم، ولا يعطيهم أكثر من حجمهم، وهو هنا يرد على ادعاءات بوش وسياسته، التي حولت الحلم الأمريكي إلى كابوس عالمي يضطهد الشعوب، ويتعامل مع الإنسان وِفْقَ عِرْقِهِ ولونه ودينه وطبقته الاجتماعية وحسابه في بنك المال والسلاح والتكنولوجيا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق