السبت، 22 مايو، 2010

مفكر عالمي: أميركا تمر بأسوأ مراحلها منذ الثلاثينات

المختصر /  أجرت مجلة «تروث دغ» الإلكترونية حواراً مع المفكر العالمي نعوم تشومسكي، تناول فيه الوضعية الراهنة للولايات المتحدة التي وصفها بأنها تمر بأسوأ مراحل تاريخها منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، وشجب مفهوم الحزبين في الولايات المتحدة، وانتقد نخبة المفكرين المتملقين للحكم هناك، وأعرب عن اعتقاده بأن توجه واشنطن على الساحة العالمية لا يمكن إلا أن يوصف بأنه مخيف ونغمتها التي تتردد على امتداد هذه الساحة لا تعد إلا أن تكون النشاز بعينه.
ويعتبر تشومسكي أكبر مفكر في الولايات المتحدة، حيث استطاعت أعماله التي تزيد على 100 كتاب أن تكشف الحقائق في مواجهة محاولات التضليل، وقد حقق إنجازاته تلك، على الرغم من أنه كان مدرجاً على اللائحة السوداء وفيما يلي نص الحوار:
يرى تشومسكي أن الولايات المتحدة محظوظة جداً، لأنه لم تظهر فيها أية شخصية مخلصة لها كاريزما وحضور مميز، وكل شخص جذاب كان يظهر في الولايات المتحدة كان محتالاً، على حد تعبيره، فكان ينتهي به المطاف إلى الدمار، مثل جون مكارثي وريتشارد نيكسون.
وهو يقول حول الوضعية الراهنة لأميركا: «أنا لم أر مثل هذا في حياتي، أنا الآن طاعن في السن، لكني أتذكر عقد الثلاثينيات، حينها كان جميع أفراد عائلتي من دون عمل، وكانت الظروف أصعب مما هي عليه اليوم، لكن الحياة كانت مفعمة بالأمل والتفاؤل، والآن كل شيء مختلف، فالنغمة التي تعزفها الولايات المتحدة نغمة نشاز، وتوجهها مخيف.
كما أن مستوى الإحباط والغضب والكره، الذي تعيشه المؤسسات المختلفة في الولايات المتحدة لا يجري وفق نظام بناء، وهذه المؤسسات ماضية في غيها نحو الدمار. إنني أستمع إلى المذياع، لكني لا أرغب في الاستماع إلى «راش ليمباو»، بل أريد أن أستمع للناس وهم يتحدثون.
إنهم يشبهون الطيار الانتحاري «جو ستاك». ما الذي يحدث لي؟ لقد فعلت ما أرى أنه صواب طوال حياتي، وأنا إنسان متدين، وأعمل جاهداً من أجل عائلتي، وأؤمن بكل القيم في الولايات المتحدة، لكن حياتي تنهار».
لقد شخص تشومسكي أكثر من أي مفكر آخر تفاصيل الدوامة الأميركية السياسية والاقتصادية، في أعمال كبيرة مثل: «حول القوة والأيديولوجيا» و«نحو إعادة التفكير: حرب فيتنام، وثقافة أميركا السياسية» و«فهم القوة» و«إنتاج الإذعان والسكوت» و«رسائل من لكسنغتون».
وغيرها الكثير من الأعمال، التي يذكرنا من خلالها بأن الفكر الأصيل يكون دوماً مدمراً، فهو يتحدى البديهيات الثقافية والسياسية، وينتقد الأنظمة القائمة، ويعبث بالثوابت والخرافات المتغلغلة في الأدمغة، والتي نلجأ إليها دوماً لنرفع من قدرنا، ونتجاهل التواطؤ مع أعمال العنف والاضطهاد، كما أنه يقض مضاجع ذوي السلطة والمدافعين الليبراليين عنهم.
لا يألو تشومسكي جهداً في الانقضاض على النخبة الليبرالية في حقول الإعلام والجامعات والسياسة، لأنهم يشكلون حسب اعتقاده قنبلة دخانية تغطي على فظائع الرأسمالية والحرب الاستعمارية، فيصف مواقفهم الفكرية والأخلاقية بالاحتيال، لهذا فتشومسكي، بالنسبة للبعض، إنسان مكروه ومرعب، خاصة في أوساط النخبة الليبرالية، أكثر حتى من الجناح اليميني الذي لم يرحمه تشومسكي أيضاً.
عندما رمى كريستوفر هيتشينز نفسه في أحضان الإدارة الأميركية، وصار دمية بين يديها بعد هجمات 11 سبتمبر، كان أول إجراء اتخذه هو أنه كتب مقالة شرسة هاجم فيها تشومسكي، لأنه كان يعلم، أكثر ممن كان يخدمهم، من أين يأتي الخطر، وأي مفكر في أميركا مهم.
يقول تشومسكي في هذا الصدد: «لا أمانع في الكتابة عن فوكس نيوز، فالمسألة غاية في البساطة، من أتحدث عنهم هم المفكرون الليبراليون الذين يصورون أنفسهم على أنهم أقوياء وشجعان، وأنهم منافحون عن العدالة والحق، وحماة الدين. هم يضعون الحدود والقوانين، ويخبروننا إلى أي حد مسموح لنا أن نمضي، لكن إياك أن تصدق حرفاً من هذا، فهؤلاء أخطر من يدعم السلطة».
لأن تشومسكي غرد دوماً خارج السرب، وتحاشى السقوط في القوالب والأيديولوجيات، فقد كان مهماً جداً للخطاب الأميركي لعقود عديدة منذ كتابته عن حرب فيتنام، حتى انتقاده لإدارة أوباما الحالية، فهو يصر دوماً على تحطيم الأصنام، ورفض السلطة بكل أشكالها.
ورداً على سؤال حول أهدافه قال تشومسكي: «أنا أحاول أن أشجع الناس على أن يفكروا لأنفسهم، وأن يشككوا في الثوابت.
انظر إلى كل ما يعتبره الناس حكمة مأثورة بعين الريبة، دع هذه الحكمة تبرر ذاتها، إن استطاعت، على الأغلب لن تستطيع، دوما اطرح أسئلة حول كل ما هو ثابت، هناك الكثير من المعلومات من حولنا، فتعلم كيف تحكم على الأشياء وتقيمها وتقارنها مع أشياء أخرى. لا شك أن هناك قيما علينا الوثوق بها، وإلا ما كان بمقدورنا العيش، لكن إن كان هناك شيء مهم وبارز، فلا تثق به، وإن قرأت خبراً أو تحليلاً صاحبه مجهول، فينبغي عليك ألا تضعه موضع الثقة».
إن شجاعة تشومسكي للحديث نيابة عن المستضعفين، مثل الفلسطينيين، الذين أخفيت معاناتهم عن العالم إلى حد كبير، تقدم لنا نموذجاً للحياة الأخلاقية، كما أن استقلاليته الفكرية والأخلاقية دعمت كل الأصوات، التي تغرد خارج السرب وتنادي بالحق.
يتحدث الأكاديمي نورمان فينكلشتاين عن تشومسكي فيقول: «لا أستطيع أن أقول لك كم عدد الناس الذين تغيرت حياتهم بسبب تأثرهم بتشومسكي، وأنا واحد من هؤلاء وهذه ليست مبالغة. لولا وجود تشومسكي في حياتي لاستسلمت منذ أمد بعيد.
لقد تعرضت للكثير من العذاب والظلم في مسيرتي المهنية، وما كان يهون مصابي هو علمي أن واحداً من أرفع العقول في التاريخ البشري كان مؤمناً بي. لقد حرك تشومسكي نوازع الفكر عند كثير من البشر، وحثهم على استخدام قدراتهم العقلية بشكل إيجابي، والتي كان من الممكن أن تختفي للأبد».
حياة قوامها الإنجاز
أفرام نعوم تشومسكي (7 ديسمبر 1928 فيلادلفيا)، متخصص في اللغويات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وصاحب نظرية النحو التوليدي، والتي كثيراً ما تعتبر أهم إسهام في مجال اللغويات النظرية في القرن العشرين. ويعود إليه كذلك فضل تأسيس ما أصبح يُعرف بـ «تراتب تشومسكي»، وهو تصنيف للغات الشكلية حسب قدرتها التوليدية.
بالإضافة إلى عمله في اللغويات، فتشومسكي معروف على نطاق واسع كناشط سياسي، وبانتقاده للسياسة الخارجية للولايات المتحدة والحكومات الأخرى.
ويصف تشومسكي نفسه بأنه منظّر رئيسي للجناح اليساري في السياسة الأميركية، وكثيراً ما يُعتبر كذلك.
http://www.almokhtsar.com/news.php?action=show&id=130062

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق