الثلاثاء، 1 مارس، 2011

كتابة تاريخ الثورة

محمد إبراهيم الدسوقى

لتفق سويا على ما يلى: أن ثورة شباب الخامس والعشرين من يناير لم تبلغ بعد محطة الاستقرار، رغم نجاحها فى إجبار الرئيس السابق حسنى مبارك على التنحى، فهى تخوض معركة شرسة، للقضاء على أركان وجيوب نظام مبارك الذى لا يزال قلبه ينبض، ويبدو أن إنجاز هذا الشق سوف يستغرق بعضا من الوقت، بناء عليه سيرى كثيرون أنه من المبكر الحديث عن تأريخ وقائع وأحداث ومقدمات تفجر الثورة، لكننى من المؤمنين، بقوة، بحتمية اتصاف من سوف تسند إليه مهمة كتابة تاريخ ما حققه الثوار الشباب خلال 18 يوما وما تلاها، بالحياد والنزاهة، وألا تحركه نزعة التمجيد المحض أو الذم المحض، خصوصا وأننا عانينا منذ ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 من آفات تلوين التاريخ وتفصيله على مقاس الزعيم الحاكم، فهو المحرك لكل الأشياء والخيوط، والعالم ينتظر نصائحه، كلما ألم به خطب أو أزمة عويصة.
وتحضرنى حكاية أوردها اللواء محمد نجيب، أول رئيس للجمهورية، فى أعقاب ثورة 1952، فى مذكراته الصادرة عام 1987 تحت عنوان "كنت رئيسا لمصر"، حيث قال: "عادت ابنتى الصغيرة من المدرسة والحزن يعلو وجهها، وما أن سألتها عن السبب، حتى فوجئت بها تعاتبنى، لأننى كذبت عليها، حينما أخبرتها بأننى كنت أول رئيس للجمهورية، وقالت إن كتاب التاريخ المقرر عليها يذكر أن جمال عبد الناصر، كان أول رئيس للجمهورية".
فقد تجرد مؤلف الكتاب من أدنى درجات الحياد والمهنية مجاملة لعبد الناصر، مع أن الوقائع التاريخية يجب أن تورد كما جرت على أرض الواقع، حتى تتعلم منها الأجيال المقبلة وتعى دروسها، وهو ما افتقدناه للأسف حتى يومنا هذا، ونرجو أن يصحح فى العهد الجديد، ففى الحقبة الناصرية لم تكن تذكر الملكية إلا بكل سوء، وأصبحت شرا مطلقا، وغابت الأمانة والواقعية عند توثيق أحداث مؤثرة فى كتب التاريخ، مثل عدوان 1956، وما وقع فيه عبد الناصر من أخطاء فى تجربة الوحدة فى سوريا، وتأميم الممتلكات الخاصة بلا ضوابط وتطبيقه بصورة عشوائية، وحرب 1967.
ولست فى مقام التطاول على عبد الناصر وجهده الوطنى الذى لا ينكره منصف، وإنما أن يكون تقويم حقبته متوازنا بذكر مناقبه ومساوئه.
وفى الحقبة الساداتية اختزلت حرب السادس من أكتوبر فى شخص الرئيس الراحل أنور السادات، أكن تقديرا كبيرا للسادات واستشرافه المستقبل بعين ثاقبة، بوصفه صاحب القرار الشجاع بالدخول فى حرب مع إسرائيل، لتحرير سيناء المحتلة، وبدا وكأنه لم يكن هناك وجود لقادة القوات المسلحة العظماء الذين خططوا للحرب ودربوا القوات على عبور خط بارليف المنيع.
وفى عهد مبارك تم تأريخ حرب أكتوبر فقط من زاوية الضربة الجوية بقيادة مبارك، عندما كان قائدا للقوات الجوية، فهو من تدين له مصر بالفضل فى تحقيق النصر، وتشبعنا بذلك من كثرة ترديدها فى وسائل الإعلام وكتب التاريخ، التى ورد فيها أن الحزب الوطنى الديمقراطى يعد الأكثر شعبية وقبولا لدى المصريين، وكانت الذريعة أن دول العالم قاطبة تلون تاريخها ولا تكتبه بحيادية، وذاك منطق لو استمر سوف تتسرب من بين أيدينا حقائق تاريخية لا حصر لها.
وبما أن ثورة الخامس والعشرين من يناير قد فتحت صفحة جديدة فى تاريخنا المعاصر، فإننا ندعو لكتابة تاريخها حرفيا، مثلما جرى، وألا نغرق فى صنع بطولات وعنتريات لا أصل لها، وبعبارة أخرى تجنب الإفراط أو التفريط، فنحن فى غنى عن الوقوع فى خطأ مديح شخص أو أشخاص لدرجة التأليه، ومعاملتهم كبشر وليس كملائكة نزلوا من أعلى عليين بلا نقيصة ولا خطيئة، وأدعو لتشكيل لجنة وطنية تتولى مشقة تنقية كتب التاريخ المدرسية فى المراحل التعليمية المختلفة مما فيها من تمجيد رخيص للحاكم، وأن يكون الصدق عماد ما يرد فيها من وقائع، وأن تخرج إلى النور الوثائق المخبأة منذ عقود عما مرت به مصر من منعطفات وانكسارات ولحظات انتصار فى النصف قرن المنصرمة.
نحن نريد تأريخا واقعيا بدون تزييف وتجميل، فالذاكرة الوطنية يجب أن تصان وما من وسيلة لصيانتها سوى الصدق والحقيقة، وظنى أن ثوار الألفية الثالثة لن يخيبوا رجاءنا وسيكتبون تاريخ ثورتهم المجيدة بشفافية وحيادية.

http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=360466

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق