الخميس، 28 أبريل، 2011

سكوت.. حزب الشاي يتكلم

د. محمد سعد أبو العزم

مرة أخرى يتجدد الجدل حول علاقة الدين بالسياسة، وتتعالى الأصوات التي تعتبر أن الديمقراطية تقتضي الفصل بين الاثنين، وتحذر من مستقبل مظلم لمصر إن هي مضت في طريق السياسة بملامح إسلامية.
إنه الحزب الصاعد بسرعة الصاروخ في الولايات المتحدة، أتباعه يؤمنون بأن الله اصطفاهم كي ينقذوا البلاد من براثن رئيس اشتراكي، مسلم، وغير أمريكي، يسعى لتدمير البلاد، يحرص أعضاء الحزب على تحويله لحركة اجتماعية شاملة، من خلال المشاركة الحماسية في أنشطته، والاستمتاع بالهتاف والتصفيق لنجوم الحزب، وعلى رأسهم "سارة بيلين".
قفز اسم هذه الحركة "حزب الشاي" إلى الساحة الإعلامية العالمية يوم 28 أغسطس الماضي، بتنظيمها تظاهرة كبيرة في واشنطن، شارك فيها مئات آلاف الأمريكيين، الذين طالبوا بالعودة للقيم الأمريكية المستوحاة من المسيحية النقية، وهذه الحركة لا تمثل استثناء عن الأحزاب المحافظة، أو التي تقوم على خلفيات دينية، ويمثلها 167 حزبًا مسيحيًا حول العالم، ففي النظم الديمقراطية يكون اختيار الشعب هو الحكم والفيصل، بدون قيود على أي فكر مهما كان غريبًا أو شاذًا، ما دام لا يخالف مبادئ الدستور، لم يتم حظر حزب الشاي أو منعه من العمل في الولايات المتحدة، فهو يعبر عن قطاع من الشعب يؤمن بالقيم الدينية وأهميتها في مجتمعه، وإنما فاجأ الجميع بدخول البرلمان الحالي للمرة الأولى، بعدما تمكن الجمهوري "سكوت براون" الحامل لشعارات حزب الشاي، من الفوز بمقعد ولاية "ماساشوسيتس"، الذي كان يشغله الديمقراطي"إدوارد كينيدي"، وكان يمثل النقيض لحزب الشاي سياسيًا وثقافيًا.
تستوحي هذه الحركة -التي يطلق عليها مجازًا اسم الحزب- اسمها من الجذور التأسيسية للولايات المتحدة عام 1773، بعدما رفض سكان شمال أمريكا وخاصة "بوسطن" دفع الضرائب التي فرضتها لندن عليهم عن الشاي، وكانت انطلاقة شرارة الاستقلال عن التاج البريطاني، وبالرغم من أن عمر الحركة لا يزيد عن سنة واحدة، لكنها تمكنت من إيقاظ المشاعر العميقة لسكان الحزام المسيحي في الوسط الأمريكي، واستطاعت خلق تيار سياسي عريض، وفرض عدد من المرشحين ببعض الولايات في الانتخابات الأخيرة، كما نجحت حركة الشاي من تحقيق انتشار واسع في وقت وجيز بفضل الشخصيات الشهيرة التي ساندتها، مثل رجل الدين "غلين بك"، أو "سارة بيلين" التي ترشحت لمنصب نائبة رئيس الولايات المتحدة مع "جون ماكين"، في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي فاز فيها "أوباما"، وينتظر الكثيرون تنامي دور الحركة في المجتمع الأمريكي خلال السنتين المقبلتين، ولاسيما في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
إذا كان البعض لا يزال يعتقد أن المشهد الأمريكي يجسد النموذج الليبرالي أو العلماني، الذي يفصل بين الدين والسياسة، فإن المفاجأة الثانية جاءت من معهد "بروكين" للدراسات السياسية، وهو أحد المراكز البحثية المعتبرة في الولايات المتحدة، حينما أصدر من شهور تقريرًا يرصد فيه تأثير الدين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2010، حيث أثبتت نسب التصويت واستطلاع الرأي دور محوري للدين في توجيه الناخبين، فغالبية الأمريكيين يعتبرون أن الدين هو الحل والمخلص لكل المشكلات التي يعاني منها المجتمع، لدرجة أن 58% من الناخبين اختاروا الحزب الجمهوري، لأنهم اعتبروه الحزب الذي يحقق مشيئة الرب في اختيار أمريكا لتصبح سيدة التاريخ البشري.
الحال في الولايات المتحدة يتشابه مع أغلب الدول التي تطبق فيها الديمقراطية، فهناك يسمح لأي مجموعة تتفق على فكرة واحدة بإنشاء حزب، لا توجد مشكلة على الإطلاق في عدد الأحزاب مهما تعاظم، ففي بريطانيا عدد الأحزاب 378 حزبًا، أما الهند -وهي أحد أفضل الدول الصاعدة ممارسة للديمقراطية- فقد حطمت الرقم القياسي في عدد الأحزاب الذي يصل إلى 1128 حزبًا، وفي النهاية يملك رجل الشارع حرية الاختيار، ويصبح صندوق الانتخاب هو الحد الفاصل بين كل تلك الأفكار، لا يوجد ما يمنع من قيام الأحزاب ذات المرجعية الدينية، كما في الحالة البريطانية التي يتواجد فيها ثلاثة أحزاب مسيحية، تتبنى تطبيق التعاليم والقيم المسيحية في الحياة العامة، المحظور فقط في كل الدول الديمقراطية هو التعدي على الأديان الأخرى، أو تحقير أي طرف آخر بسبب دينه أو جنسه أو لونه، من حقك أن تدعو لفكرة حزبك كما تشاء؛ ولكن من دون أن تتجاوز في حقوق الآخرين، ولعل المثال الأبرز على ذلك ما حدث في الانتخابات الهندية الأخيرة، والتي دائمًا ما تشهد أرقى درجات الديمقراطية والمنافسة المحمومة بين حزب "المؤتمر" الليبرالي، وحزب "بهارتيا جاناتيا" الهندوسي، فخلال الحملة الانتخابية كادت اللجنة العليا للانتخابات أن تشطب جميع مرشحي الحزب الهندوسي في ولاية "أوتار براديتش"، بسبب توزيع الحزب هناك لدعاية تعتبر أن انتخاب أي مرشح آخر يعد بمثابة مخالفة للتعاليم الهندوسية، وأن انتخاب أي مسلم يعود بالهند إلى عصور التخلف، لأن الحزب هو الحارس على استمرار القيم الهندوسية السائدة في الهند، ولكن أفلت الحزب من قرار الإلغاء، فقط لأنه أعلن اعتذاره بشكل رسمي في صفحات الجرائد، وأكد أنه غير مسئول عن هذه الدعاية، وهي تصرف فردي من أحد الأنصار المتشددين الذي لا يعبر عن توجهات الحزب.
الحالة المصرية تمر الآن بمرحلة سيولة، وإعادة تشكيل الحياة السياسية، ومن المهم أن نفهم جيدًا كيف تدار العملية الديمقراطية في العالم من حولنا، هناك الكثير من الأصوات التي تعالت مؤخرًا، وتطالب بالفصل الكامل بين الدين والممارسة السياسية، على اعتبار أن ذلك مبدأ أساس في الديمقراطية، صحيح أن لكل دولة طبيعتها وثقافتها التي تختلف عن غيرها، ولكن يبقى الإطار العام الذي تدور فيه كل تلك الدول واحدًا، فلا يمكن أن نتجاهل التأثير الواضح والمهم لدين الأغلبية في أي بلد، ليست هناك مشكلة على الإطلاق من وجود أحزاب ليبرالية، يسارية، محافظة، مسيحية أو إسلامية، ولكن المهم أن يلتزم الجميع بمبادئ الدستور، ويحترم حق الآخر في التعبير عن رأيه، بدون تجريح أو تجاوز.
يا سادة.. الشعب المصري الذي قاد ثورة أبهرت العالم، هو نفسه الشعب الذي يستطيع أن يمارس الديمقراطية الحقيقية، ويختار رئيسه وممثليه من دون أن يخدعه أحد، ويبقى المجال مفتوحًا أمام كل الأفكار والتيارات المتنافسة، للنزول إلى أفراد الشعب وبذل الجهد معهم، بدلاً من الاكتفاء بمهاجمة الآخر، أرجوكم.. لا تصادروا حق الشعب في اختياره، ليجتهد كل فرد في إقناع المجتمع بأنه الأجدر والأحق، وعندها فقط نكون قد مارسنا الديمقراطية الحقيقية.
mwsad@hotmail.com

 

 

http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=57193

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق