الخميس، 24 نوفمبر، 2011

رغيف العيش

محمود عمارة

ما شاء الله.. وكأننا دولة بترولية ثرية.. لديها فوائض وخزائن وأرصدة.. ولا ينقصنا سوى «الديمقراطية».. الديمقراطية التى اختصرناها فى «صناديق الانتخاب».. ونسينا أن أساس البناء الديمقراطى، وتأسيس النهضة يبدأ بتأمين «رغيف العيش»!! متجاهلين تجارب دول أمريكا اللاتينية، التى اهتمت فى الثمانينيات بالبناء الديمقراطى، وهللت، وزغردت للصناديق الزجاجية الشفافة فى الانتخابات.. ونسوا «الإنجازات الاقتصادية».. فكفر الناس بالديمقراطية، وخرجوا للشوارع مطالبين بإسقاط هذه الديمقراطية التى عجزت عن توفير «الخبز»، ولم تحقق للناس معيشة أفضل!!
ولهذا أتعجب ومعى كثيرون.. من الأداء الردىء «للنخبة المصرية الدينية والليبرالية» القائدة لحركة المجتمع، التى انهمكت فى التحليل، والتنظير، والاستقطاب، والبحث والتنقيب لتغرقنا فى أعماق بحور السياسة، وهى تعلم أننا فى سنة أولى «كى جى وان»، والبلد فى وضع حرج، والتركة ثقيلة وخطيرة، ولا يمكن لهذا المجتمع أن يتحمل كل هذه الانشقاقات والصراعات، والتيه فى دهاليز العمل السياسى باختلاق قضايا جدلية، واصطناع مشاكل أدت إلى فقدان الثقة، وضياع الأمل، وخلقت لنا عداوات مع دول كثيرة كان يمكن أن تتعاون معنا، أو على الأقل نسلم من شرها.. وبدت «النخبة» وكأنها مجموعة بهلوانات، وحواة يلعبون أدواراً على السيرك المنصوب، والناس تضحك على «الباحثين عن أدوار»، وتهزأ من «الكومبارس»، وتحتقر «الانتهازيين»، وترتعب من المتطرفين، والبعض يتملق الشارع أو حتى العسكريين!!
هذه «المجموعة العسكرية» من «النخبة» الحاكمة هى التى أوقعت المجتمع فى شر أعماله، ووضعت العربة أمام الحصان، لافتقادها الروح الثورية، وبطئها فى اتخاذ القرار، وهى التى أجهضت الثورة ومنحت الفرصة لـ«الفلول» لكى يخرجوا من الجحور، ويحمَّلوا الثوار كل خطايا وميراث ولى نعمهم، ويجاهروا بأن عصر مبارك كان الأفضل مائة مرة مما نحن فيه الآن بعد سقوط الأمن، وسيطرة البلطجية وقطّاع الطرق، وضيق سبل الرزق.
وهو ما حدث بالضبط فى الدول الأفريقية.. بعد أن نجحت فى طرد الاستعمار، وإحلال «النخبة» من أبناء البلد لتتولى الحكم، فتحولوا إلى عصابة من «الفاسدين»، ولم يهتموا برغيف العيش، وتجاهلوا احتياجات المواطن.. فخرجت الشعوب الأفريقية تطالب بعودة «الاستعمار» الذى أنجز لهم السكك الحديدية، والطرق، وبعض المدارس والمستشفيات وفرص العمل.
والسؤال الآن: هل ننتظر حتى يكفر المصريون بالديمقراطية.. ويطالبوا بحاكم «ديكتاتور» على شاكلة فرانكو، أو موسولينى؟
والحل هو: تحقيق إنجازات اقتصادية.. وأولها: تأمين «رغيف العيش».. الذى هو الضامن والضمان لتأسيس النهضة.. والمطلوب:
أولاً: ضرورة عقد مؤتمر اقتصادى فورى.. يشارك فيه كل العلماء والخبراء والمتخصصين من المصريين بالداخل والخارج.. لنضع «خارطة طريق» تحدد لنا الهدف، والاستراتيجية، والآليات، والتكلفة، وكيفية التمويل للمشروعات القومية التى تحتاجها النهضة الزراعية للاكتفاء الذاتى من الغذاء بنسبة 100٪.. و«القمح» على رأس الأولويات.
ثانياً: دعم مراكز البحوث الزراعية بما يعادل راتب «مدربى الكرة» والحكام الأجانب وأندية البترول والجيش والشرطة، لتجهيز «تقاوى» بذرة قمح تكفى لزراعة الـ3.2 مليون فدان التى نزرعها سنويا، وهذه التقاوى تنتج من 24 إلى 30 إردباً للفدان، كما هو الحال فى تقاوى «مصر 1 + مصر 2».. (اضرب 3.2 مليون فدان * متوسط 27 إردباً * 150 كيلو = 13 مليون طن (نحن ننتج 6 ملايين، ونستورد 9 ملايين طن سنويا، لنصبح أكبر مستورد للقمح فى العالم)!
ثالثا: الزراعة «بالتسطير» أى بالميكنة الحديثة والصالحة حتى لفدان واحد لتوفر فى التقاوى من 95 كيلو/ فدان إلى 65 كيلو/ فدان.
رابعاً: اختيار الأصناف المناسبة لكل محافظة مع توفير التقاوى قبل الموسم، وبسعر القمح العادى حتى يقبل الفلاحون على شرائها واستخدامها (سعر الشيكارة الآن 125 جنيهاً - فلماذا لا توزع بـ80 جنيهاً مثلا)؟!
خامساً: استحداث قطاع بوزارة الزراعة.. يجمع بين: مركز البحوث للتقاوى + مراكز الإرشاد + أصحاب ومديرى الصوامع + ممثلين لكبار وصغار ومزارعى الحبوب + التعاونيات.. حتى لا يعمل كل واحد فى جزيرة منعزلة كما هو الحال الآن.
سادساً: بناء 50 صومعة بكل محافظة «فى المتوسط» كل صومعة تستوعب 5 آلاف طن ثمنها 2.5 مليون جنيه «استيراد من رومانيا»، أو يتم بناؤها محليا بالأسمنت والتكلفة مليون جنيه فقط.. وبهذا نوفر 2 مليون طن تأكلها العصافير، والفئران، والسرقات، والأتربة بالطريقة الحالية فى التشوين.. وبهذا نكتفى ذاتيا بنسبة 100٪، ولا نحتاج شيئاً من أى أحد ويصبح قرارنا من رؤوسنا، ونبطل نمد أيدينا.
سابعاً: نجاح وزير الزراعة، واستمرار الوزارة مرهون بتحقيق الاكتفاء الذاتى من الحبوب خلال موسمين زراعيين - الموسم الأول لتجهيز التقاوى، والمطلوب 250 ألف طن تقاوى من مساحة 125 ألف فدان.. والموسم الثانى لزراعة الـ3.2 مليون فدان بالتقاوى المنتقاة، وبالطرق العلمية المعروفة.. وللانتهاء من بناء الصوامع المطلوبة للتخزين.
وبهذا لن نحتاج لأكثر من موسمين زراعيين أو حتى 3 مواسم لنكتفى ذاتيا، ونضمن أن «رغيف العيش» من صنع أيدينا، كما فعلت دول كثيرة أقل منا 100 مرة!!
اقرأوا «التجربة الفساوية».. لتعرفوا كيف استطاعت دولة بوركينا فاسو أن تكتفى ذاتيا من الحبوب فى 3 سنوات.. وأصبحت أيضا أولى دول أفريقيا فى إنتاج وتصدير القطن لتتربع على عرش الذهب الأبيض فهل نحن أقل من بوركينا فاسو؟!
الخلاصة: إن القضية فى الإرادة والإدارة، لا أكثر ولا أقل!

http://www.almasryalyoum.com/node/516715

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق