الاثنين، 26 نوفمبر، 2012

على مقهى وادي النيل في حي عابدين

اذا كنت متعصبا للغة العربية فستكتشف على الفور خطأ في كتابة العنوان. لأن الناس تجلس في المقهى وليس عليه. غير إني مصرّ على ارتكاب هذا الخطأ، لأن هذا هو التعبير الذي اختاره العقل الجمعي في مصر. وربما يكون الأصل فيه قادم من الريف حيث تجلس الناس على الجسر. الواقع أن الإنسان يميل بوجه عام لاستخدام كلمة «على» في مجالات كثيرة. على المقهى بدأت أتأمل وجوه الناس حولي، وتحين مني بين الحين والآخر التفاتة إلى الميدان، ميدان عابدين الذي يشرف عليه القصر الذي كان مقرا يوما ما للملك فاروق ملك مصر والسودان، تصعد إلى السطح في عقلي قصة قديمة من أيام الطفولة، حي المدبح هو الحي الملاصق لحي السيدة زينب وهو الملاصق لحي عابدين، لقد حكيت هذه القصة من قبل، دعني أسليك - وأسلّي نفسي بها - بينما كان الجزارون في المدبح يحاولون ذبح أحد الجمال، أفلت الجمل من بين أيديهم وجرى بأقصى سرعة خارج المدبح وقطع الشوارع المؤدية إلى ميدان عابدين، كان الملك يقف في إحدى الشرفات متأملا أحوال الرعية، ذهب الجمل مباشرة إلى بوابة القصر واندفع داخلا منها ووقف تحت الشرفة وهو يطلق صرخات استغاثة، وقبل أن يقتله رجال الحرس صاح مولانا: اتركوه.. إنه يستغيث بي.
إنه إعلام تحسين الوجه القديم، إعلام تحسين وجه الحكومات في حاجة لأغبياء، لست أقصد من يقتنع به، بل أقصد من يصنعونه، لا بد أن تكون غبيا جدا لكي تخترع هذه الحكاية، وجدا جدا جدا لتفكر في أن الناس ستصدقها. هذه هي المرة الأولي التي أجلس فيها على هذا المقهى، فقد وعدني الأستاذ فرج بأن نلتقي فيه، من الواضح أنه مكانه المفضل، تأخر الأستاذ فرج عن موعده، لا تسأل أحدا من سكان القاهرة لماذا تأخر. سألت الجرسون: هو الأستاذ فرج «بييجي إمتى»؟
فرد عليّ بغير اهتمام: زمانه جاي.. ما تقلقش.. نص الزباين اللي قاعدين بيستنوه.
مرة أخرى أغوص في الذكريات القديمة، أتأمل الميدان، هنا جاء عرابي وقال للخديوي: لسنا عبيدا ولن نورَّث بعد اليوم.
عرابي قال ذلك ولكنه عجز عن تنفيذه، لأنني أنا شخصيا أورّث في كل عهد وكل حكم، وموعدي اليوم مع الأستاذ فرج لكي يساعدني في الحصول على حريتي.
أحسست بالجوع، بجوار المقهى مباشرة يوجد محل لحمة رأس، سألت الجالس بجواري: هل ممكن أطلب لحمة رأس هنا؟
أجاب: لا بد أن توافق أميركا أولا.. معاك موافقة من أميركا؟
عندما أبديت له دهشتي أخذ يشرح لي برفق: أي حركة في منطقتنا، أي مشروع، أي خطوة، لا بد أن توافق عليها أميركا.. وعلى كل حال انتظر الأستاذ فرج.. هو كفيل بحل هذه المشكلة.
الحمد لله.. لقد طلبت شايا وشربته بغير أن يسألني الجرسون: معاك موافقة من أميركا؟
قلت ذلك لجاري مازحا فقال لي باستنكار: يا نهار أسود.. انت ما عندكش موافقة من أميركا إنك تشرب شاي في القهوة دي؟
قلت له على الفور: معايا.. أنا كنت باهزر معاك.
حتى الآن لم يعلن أحد إيقاف النار في غزة، من الواضح أن أميركا لم توافق حتى الآن، صاح زبون وهو يشد أنفاسا من الشيشة: الخونة.. يطلبون إيقاف إطلاق النار بينما نحن منتصرون، الإسرائيليون يجرون في الشوارع كالجرذان.. لماذا تتدخل أميركا وتحرمنا في كل مرة من ثمار انتصارنا.. فيها إيه يعني لما يموت ألف واحد من غزة.. ماهي كل الناس بتموت لما يحين أجلها.. المهم القضية.
صيحات استحسان من كل الموجودين تقريبا، لا أعرف على وجه التحديد ماذا سيكون عليه منطوق القرار، هل سيكون قرارا بالتهدئة؟ أي أن يضرب كل طرف الطرف الآخر بهدوء. التهدئة لا شأن لها بقاموس الحرب والسلام، أعتقد أنها مستمدة من قاموس كرة القدم، أحيانا يقول المذيع اللاعب الفلاني بيهدي اللعب. أنا أعتقد أن كل اتفاقيات التهدئة السابقة فشلت لأنها استخدمت اختراعا في السياسة لا وجود له.
نظر لي أحد الزبائن من بعيد وقال بصوت مرتفع: كل بتوع السلام خونة.
قال زبون آخر: هم لوحدهم اللي خونة؟ والليبراليين.. والعلمانيين.. والشيوعيين.. والسلفيين.. والإخوان المسلمين.. مافيش حد مخلص للبلد دي إلا الثوار.. أي حد مش من الثوار يقوم يمشي من على القهوة دي.
قالها وهو يلقي عليّ نظرة من بعيد، تظاهرت بأن جملته لا تعنيني.. أين أنت يا أستاذ فرج؟
خبر عاجل على شاشة التلفزيون، مستشفى الأمراض النفسية والعقلية القريب، حدث فيه تمرد، المرضى حاصروا الأطباء وأدخلوهم العنابر، ليس هذا فقط، لقد ارتدوا ملابس الأطباء وبعضهم وضع السماعة التقليدية حول رقبته. أخذت أتابع الخبر وتداعياته باهتمام، لاحظت أن اثنين من الزبائن يرتديان ملابس الأطباء جاءا وجلسا بالقرب مني وأخذا يتابعان الخبر، حدث اجتماع بين وزير الصحة ورئيس الوزراء أسفر عن قرار، تقرر الاستعانة بالشيخ عبد البصير سرحان لحل المشكلة فذهب الشيخ إلى المستشفى ودخل عليهم في شجاعة ثم أثبت لهم أن ما فعلوه بالأطباء حرام. فرد عليه واحد منهم وقال له: واللي بيعملوه فينا.. حلال؟
لا نعرف ما حدث بالضبط للشيخ عبد البصير، لقد خرج بعد نصف ساعة ولكن أحد مذيعي الفضائيات المرافق له صاح: ليس هذا هو الشيخ عبد البصير.
كان بالفعل أحد نزلاء المستشفى، وكان يرتدي ملابس الشيخ، ركب الشيخ المزيف أحد التاكسيات وتمكن من الهرب، وبدأت جهود الشرطة للإفراج عن الشيخ عبد البصير ولكنهم عجزوا حتى عن معرفة المكان الذي أخفوه فيه. اجتمع مجلس الوزراء وقرر إرسال الشيخ عبد الكريم لإقناعهم بالإفراج عن الشيخ عبد البصير، تقارير المباحث قالت إن الشيخ عبد الكريم ليس معرضا للخطر لأنه - بالصدفة - كان زميلا لهؤلاء النزلاء لشهور طويلة وخرج بعد أن قرر الأطباء أن يواصل العلاج في البيت. حاول الرجل أن يقنعهم بأن ما فعلوه حرام ففشل وعاد يائسا. كانوا كرماء معه لم يمسه أحد بسوء.. حتى الآن لم يأت الأستاذ فرج.. ماذا أفعل؟ قلت للجرسون: من فضلك عاوزك تبلغ الأستاذ فرج رسالة، قل له الأستاذ بتاع المسرح.. جالك وقعد يستناك أكتر من ساعتين.. وبعدين روّح.. وحا يتصل بيك ويحدد ميعاد تاني.
قال الجرسون: هو حضرتك عاوزه ليه؟
قلت: أصلي عاوز أعمل مسرح.
قال الجرسون: شوف.. الأستاذ فرج ممكن يتأخر.. بس بييجي في الآخر.. ممكن تمشي من هنا وهو ييجي من هنا.. استنى شوية.
الزبون الجالس بجواري همس لي: الأستاذ فرج ما يعرفش يساعدك في الحكاية دي.. لو عاوز صواريخ.. مدافع.. متفجرات.. ديناميت.. مدافع آلية.. ماشي.. لكن تقول لي مسرح ومزيكة وفن والكلام الأهبل ده.. ما يفهمش فيه.. ده فيه مرة واحد كان عاوز بيانو فشل يلم تمنه.. ما حدش دفع.
أحسست برغبة قوية في العودة إلى البيت غير أن نوبة كسل قوية استولت عليّ ومنعتني من القيام من مكاني، ترى.. متى سيغلق المقهى أبوابه؟
قال الجرسون: ولا يهمك.. مش لازم تروّح.. ممكن تقعد للصبح.

 على سالم






الاثنين، 19 نوفمبر، 2012

تناول‮ ‬غير تقليدي لمواجهة انفلات الأسعار‮!‬

‬ مها عبدالفتاح

. ‬فهذا ربما يكون السبيل الأكيد وربما الوحيد

لضرب جشع التجار وتكميم سعار الأسعار‮!  ‬‮


لا اريد أن أدفع هنا بتعبيرات كبيرة و‮ ‬غليظة‮ . ‬أريد فقط أن أنبه الي ما تعانيه ملايين الاسر محدودة الدخل من انفلات الاسعار التي قصمت ظهرها الاعباء الضرورية للحياة وأولها الطعام،‮ ‬لنلحق الامور من قبل ان ينفلت العيار وينطلق الغضب كالاعصار‮ ... ‬تأصيل المشاكل لدينا يعود بها الي انفلات الاسعار انفلاتا شبه جنوني طال حتي الخضر والالبان وضروريات الطعام،‮ .. ‬فعندما تتحول وجبة الافطار في الاسر محدودة الدخل متعددة العيال الي‮ "‬ترف‮ " ‬و تتخطاه توفيرا للنفقات،‮ ‬هنا فلابد من وقفة تساؤل عما يمكن ان يستوعبه التلاميذ من الدراسة لتدخل في العقول و المعدة فارغة تقرص من‮ ‬غير وجبة افطار ؟ افتقاد التلاميذ وجبة الافطار هذه أوقن انها ربما تكون وراء اهم اسباب الجهل الفاضح الذي اصاب التعليم الحكومي في مصر‮ .. ‬مثل هذا قد دفع رئيس البرازيل السابق‮ " ‬دا لولا‮ " ‬ذلك الرئيس الذي وفق في انتشال بلاده من الفقر في عدة أعوام فقط،‮ ‬فجعله يبادر من أول ما فعله عندما تولي السلطة كان القرار بادخال وجبة الافطار الي مدارس الحكومة‮ ! ‬

‮ ‬الملاحظة العامة ان حكوماتنا المتعاقبة بدت وما تزال عاجزة دوما قليلة الحيلة مثلها مثل من سبقنها امام انفلات الاسعار واقتصاد ما يعرف بحرية الاسواق بينما الوسائل شتي لضرب انفلات الاسعار وجشع التجار مع التفكير والابتكار الذي لا يعدم سبيلا لايجاد الحلول‮ ‬،‮ ‬ولنبدأ بهذا التساؤل‮ : ‬لماذا تبدو كل حكومة عندنا مفلسة في ايجاد سبل ووسائل مواجهة الاسعار وجشع التجار‮ ‬،‮ ‬لا حيلة لها‮ ‬غير الحلول التقليدية المستهلكة،‮ ‬وكأن التفكير عجز فوقف بهم جميعا عند الدعم ورفع المرتبات‮ .. ‬مع انه ثبت وتأكد بما لا يقبل الجدل بأنه سبيل سقيم وأنها سياسة قاصرة ولا تؤدي لغير استمرار الدائرة المفرغة التي عرفناها وحفظناها‮: ‬الحكومة ترفع الدخول من ناحية والتجار يعاودون رفع الاسعار من ناحية،‮ ‬فمتي توجد لدينا حكومة تتنبه لهذه المعادلة الغبية ؟‮! ‬انفلات الاسعار وجشع التجار ما عاد يكفي لعلاجهما هذه الاساليب المستهلكة التي كانت تنفع وتفي باحتياجات الطبقات المطحونة عندما كانت مصر أربعين وخمسين مليونا وليس تسعين مليونا كما تعدادنا الآن‮.. ‬ثم المجمعات الاستهلاكية المعهودة لا تفي ولا تكفي وحدها،‮ ‬ولا الدعم الذي يذهب الكثير منه الي‮ ‬غير المستحقين،‮ ‬هذه حلول ما عادت مناسبة لزمن تضاعف فيه الناس عدة مرات‮ .. ‬مطلوب تصور جديد و تناول‮ ‬غير تقليدي في مواجهة انفلات الاسعار‮ ‬،‮ ‬وتشكم الجشع لدي التجار ولا تتعارض مع ما يسمونه بحرية الاسواق‮! ‬حلولا أكثر فعالية وتتواءم وقوانين العصر‮ .. ‬حتي اعتي الدول الرأسمالية و مجتمعات الوفرة تجدها لا تنسي و لا تسهو عن احتياجات محدودي الدخل ومطالب الغذاء والكساء‮ ...‬

نوادي الاسعار‮ :‬

اذن كيف ؟ بالعقل‮ : ‬لا تضرب‮ ‬الاسعار الا بالاسعار‮! ‬يواجهون جشع التجار بذات السلاح‮ ! ‬تتكون شركات‮ - ‬أهلية‮ - ‬و تقيم محال بمساحات كبري تتسع لبيع كافة احتياجات الاسر من مأكل و ملبس ودواء الي كافة المتطلبات الاخري التي تخطر ولا تخطر علي البال وشعارها‮ : ‬بيع أرخص تكسب أكثر تجد مجمل الربح في النهاية ما قد يفوق ما تحققه من ربح في النهاية ما يفوق سائر المحال‮ ! ‬الاسعار يعرضونها مخفضة ومريحة قد تصل الي نصف اسعار السوق وأحيانا اقل،‮ ‬وأمريكا رائدة في هذا المجال ولها في كل مدينة صغيرة او كبيرة احدي هذه السلاسل من المحال‮ .. ‬من أشهر سلاسل هذا اللون من محال ما يعرف بنوادي الاسعار‮ : ‬price club و هذه مثلها مثل النوادي لها اشتراك سنوي انما زهيد جدا وكان علي عهد ما كنت هناك في التسعينيات لا يزيد عن عشرين دولارا في السنة‮.. ‬ومقابل الاشتراك بطاقة بصورة او صورتين لأصحاب الاشتراك ويبيح لهم أن يصحبوا معهم صديقا او أكثر‮ ... ‬اما الشرط الوحيد فهو ضرورة ان يكون الشراء بالجملة بمعني ثلاثا علي الاقل من كل سلعة و‮.. ‬من حصيلة الاشتراكات السنوية وهي بالآلاف،‮ ‬ومن حصيلة البيع بالجملة‮ ‬،‮ ‬تتجمع في نهاية المطاف أرباح تتفوق‮ ‬غالبا عن ارباح المحال الاخري في السوق والتي لا تجد أمامها الا ان تهبط بمستوي أسعارها ازاء تلك المنافسة او قل المضاربة علي الاسعار‮ .. ‬العائد مبالغ‮ ‬ضخمة تعوض فارق الاسعار وتزيد‮ ... ‬في واشنطون كانت السفارات كلها مشتركة كذلك الاسر من كل الطبقات والنوعيات فمن ذا الذي لا يرحب بأن يشتري ويدفع نصف الثمن واحيانا الثلث ويستفيد من فارق الاسعار ؟‮!... ‬

مثل هذه المشروعات الضخمة‮ ‬غير حكومية بل عبارة عن شركات مساهمة ضخمة أو يقوم بها عدة رجال اعمال‮ ‬،‮ ‬ولا مطلوب منهم تضحيات و لا مستحيلات،‮ ‬بل هذي نوعية من مشروعات مربحة يقدر ما تؤديه للمجتمع من خدمـات هتعتبر مزيجـا من المشروعات الاجتماعية‮ - ‬الاقتصادية المربحة في آن واحد و معمول بها في معظم الدول التي تتبع اقتصاد حرية الاسواق‮ .. ‬في امريكا تجدها في كل مدينة تقريبا صغيرة كانت أو كبيرة‮ .. ‬وهذه لها سلاسل من محال كبري واسعة فسيحة ويختار لها عادة موقعا في أطراف المدينة،‮ ‬أشبه بسوبر هايبر ماركت وتبيع كل متطلبات العائلة من مأكل وملبس ودواء الي سائر متطلبات الاسر في البيوت،‮ ‬بأسعار مخفضة لما يقرب من النصف وربما اقل بالمقارنة بأسعار السوق‮.. ‬فهذه مدرسة في الاقتصاد و التوفير،‮ ‬ونموذج من محال تقدم خدمة مزدوجة الي محدودي الدخل والي أصحاب رأس المال معا في آن واحد فلا تجزر علي احد لحساب أحد ودون اخلال بحرية الاسواق‮ .. ‬فالاهم انها تؤدي الي كبح جماح الاسعار المسعورة وثبت نجاحها الفائق في امريكا ومعظم دول اوروبا فلم لا نعممها هنا فهذه ربما تكون السبيل الاكيد وربما الوحيد لضرب جشع التجار وتكميم سعار الاسعار‮ !

 http://dar.akhbarelyom.org.eg/issuse/detailze.asp?mag=&field=news&id=91329

 

الاثنين، 12 نوفمبر، 2012

نهضة ماليزيا فى حوض سمك -- دكتور / محمد المهدي




كنت أتجول فى متحف الأحياء المائية فى وسط المدينة كوالالامبور عاصمة ماليزيا فشاهدت حوضا من السمك يبدو مختلفا عن باقى الأحواض حيث يحوى عددا من الاسماك مختلفة الأحجام والأشكال والألوان والأنواع ومكتوب عليه "سباحة مباركة فى تناغم دقيق بصرف النظر عن النوع أو الحجم أو اللون " .... ويبدو أن هذه هى فلسفة الحياة فى المجتمع الماليزى والذى يضم حوالى 60% من سكانه من المسلمين والباقي عبارة عن هنود وصينيين يتبعون ديانات مختلفة كالماوية والبوذية والهندوسية والكونفوشيوسية وهم يعيشون فى سلام ويعملون بنشاط فى حياتهم العامة , وكل منهم يذهب إلى مسجده أو معبده ليؤدى طقوس عبادته . ولقد زرت الكثير من المعابد لديانات مختلفة فلم  أجد على أى منها حراسة أمنية من أى نوع , بل الكل يعبد ربه الذي ارتضاه في أمان وسلام .
وحين تمشى فى شوارع ماليزيا يلفت نظرك هذا التنوع الكبير فى البشر فمنهم الشرق اسيوى ومنهم العربى ومنهم الأوروبى. وقد تجاوز المجتمع الماليزى الإستقطابات القائمة على العرق أو اللون أو الدين وتوجه نحو البناء وتبنى مفهوم البناء وتبنى مفهوم المواطنة ، فالعمل والبناء والتطوير والتميز هى قيم سائدة فى المجتمع الماليزى ، وسيادة هذه القيم  وبروزها غطى على الانتماءات الفرعية وشكل نسيجا مجتمعيا متماسكا ومتوجها نحو بناء البلد وازدهاره .
وكنتيجة لهذا التعايش والتصالح الاجتماعى انطلقت ماليزيا فى نواحى حياتها نحو النهضة والرقى حتى انك ترى أن شوارعها وأسواقها وبنيتها الاساسية لا تقل فى شىء عن أى بلد اوروبى متقدم , وأيضا تجد الروح الإسلامية موجودة وبقوة .
وتكتمل هذه الفلسفة التواءمية التعايشية فى البرجين التوأم وهما أحد أهم معالم ماليزيا الحديثة حيث يعتبران من أعلى الأبراج فى العالم ،والسبب فى كونهما برجين , كما علمت من بعض الماليزيين , أنهما يمثلان حالة التعاون والتعايش بين الذات والآخر ولهذا تجد قنطرة تربط البرجين فى وسطهما ، واسفل البرجين مكتوب عبارة :Reimagination of Energyبمعنى إعادة تخيل الطاقة ، ويبدو أن للبرجين رمزيات أخرى كثيرة ومنها هذا الإرتفاع الشاهق الذى يتجاوز حدود الإنتفاع بالمبنى إلى حالة من الطموح والرغبة فى الإرتقاء إضافة الى معنى التزاوج والتآخى والتعايش والتصالح والإرتباط .
وتتأكد هذه المعانى فى وسط كوالالامبور وبالتحديد قرب مركز Pavilion التجارى وفى شارع العرب القريب منه حيث تجد خليطا من الجنسيات ومن السلوكيات ومن المعروضات فى هذه الاماكن دون تصارع أو إقصاء ، فعلى الرغم من أن ماليزيا بلد اسلامى وأن مشروع نهضتها كان ومازال ذو صبغة إسلامية عصرية ،إلا أن هذا لم يمنع  وجود مظاهر فى وسط المدينة عكس هذا تماما فمثلا تجد زجاجات الخمر على أرفف الكافيهات والمطاعم ، وتجد مظاهر للدعارة المقنعة (تحت مسمى المساج)منتشرة فى شارع العرب , وقد تكون هاتين الظاهرتين (الخمر والدعارة المقنعة) صادمتين لذوى الرؤية الدينية والاخلاقية ، ولكنهما دليلا قبول وتنوع لدى اصحاب الرؤية الديمقراطية.
وقد حضرت خطبة الجمعة فى أحد المساجد الكبرى وسط العاصمة ، ولاحظت  استخدامهم لتقنية "الباور بوينت" (عرض الشرائح على الشاشة)بالمسجد من خلال شاشات كبيرة تعرض على احدها صورة الخطيب وتعرض على الأخرى عناصر الخطبة مكتوبة بلغات مختلفة بحيث تواكب ما يقوله الخطيب ، وأحيانا تعرض صور وخرائط توضيحية لأماكن الأحداث التى يذكرها خطيب الجمعة.
وتبدو مدن ماليزيا جديدة تماما بما يدعو للعجب , ولقد علمت بان الحكومات الماليزية المتعاقبة (خاصة أيام مهاتير محمد) قامت بعمل خطة لتطوير الاحياء القديمة على مدى جدول زمنى بحيث تبدأ بحى حتى تنتهى منه ثم تنتقل الى الذى يليه حتى أنجزت الخطة كاملة.
ومما يلفت النظر ذلك الجمال الطبيعى الخلاب والذى يساهم فيه مساحات الخضرة الهائلة (حيث أنها بلد استوائى ) ومستوى النظافة الرائع فى كل مكان والجزر والشواطىءالتى تعطى الزائر طعم الطبيعة البكر والبساطة المجتمعة المريحة  .ويضاف الى ذلك طيبة الشعب وتوجهه نحو رعاية الزائر لبلاده دون استغلال أو مضايقة وكأنهم مفطورين على الرعاية والعناية  ، شأن شعوب جنوب شرق آسيا عموما ، وربما يفسر هذا تقدمهم فى مهن مثل التمريض والمساج وخدمة المنازل وإدارتها فى كثيرمن دول العالم .ولهذا لا تستغرب حين تعلم بأن ماليزيا تعدادها 28 مليون نسمة ويزورها 30 مليون سائح سنويا .ولكى تلمس ما وصلت اليه ماليزيا (كأحد النمور الاسيوية) من تقدم صناعى تكنولوجى فيكفى أن تزرو أحد المراكز التجارية العملاقة التى تمثل سوقا للإلكترونيات لتكتشف النقلة الهائلة التى وصلت اليهاماليزيا.
كانت ماليزيا بالنسبة لى منذ 25 سنة تتمثل فى سائق ماليزى فقير يدعى داوود كان يعمل فى المركز الطبى الذى كنت أعمل به فى الخليج وكان معظم الماليزيين يرضون بالمهن البسيطة والهامشية بحثا عن لقمة عيش لا يجدونها فى بلادهم وكانوا يتحملون فى سبيل ذلك بطش وقهر وتسلط الكفيل الخليجى ، أما الآن فهم يعيشون أسيادا فى بلادهم ويذهب اليهم الخليجيون والعرب عموما كسائحين يساهمون فى تنشيط الاقتصاد الماليزى الصاعد بعقل ووجدان المواطن الماليزى الذى وجد قيادة مخلصة فتعاون معها ليبنى بلدا عصريا وفى نفس الوقت محتفظ باصالته الدينية والثقافية.

دكتور / محمد المهدي



 

صندوق النقد - ياسر المناوهلي