الاثنين، 12 نوفمبر، 2012

نهضة ماليزيا فى حوض سمك -- دكتور / محمد المهدي




كنت أتجول فى متحف الأحياء المائية فى وسط المدينة كوالالامبور عاصمة ماليزيا فشاهدت حوضا من السمك يبدو مختلفا عن باقى الأحواض حيث يحوى عددا من الاسماك مختلفة الأحجام والأشكال والألوان والأنواع ومكتوب عليه "سباحة مباركة فى تناغم دقيق بصرف النظر عن النوع أو الحجم أو اللون " .... ويبدو أن هذه هى فلسفة الحياة فى المجتمع الماليزى والذى يضم حوالى 60% من سكانه من المسلمين والباقي عبارة عن هنود وصينيين يتبعون ديانات مختلفة كالماوية والبوذية والهندوسية والكونفوشيوسية وهم يعيشون فى سلام ويعملون بنشاط فى حياتهم العامة , وكل منهم يذهب إلى مسجده أو معبده ليؤدى طقوس عبادته . ولقد زرت الكثير من المعابد لديانات مختلفة فلم  أجد على أى منها حراسة أمنية من أى نوع , بل الكل يعبد ربه الذي ارتضاه في أمان وسلام .
وحين تمشى فى شوارع ماليزيا يلفت نظرك هذا التنوع الكبير فى البشر فمنهم الشرق اسيوى ومنهم العربى ومنهم الأوروبى. وقد تجاوز المجتمع الماليزى الإستقطابات القائمة على العرق أو اللون أو الدين وتوجه نحو البناء وتبنى مفهوم البناء وتبنى مفهوم المواطنة ، فالعمل والبناء والتطوير والتميز هى قيم سائدة فى المجتمع الماليزى ، وسيادة هذه القيم  وبروزها غطى على الانتماءات الفرعية وشكل نسيجا مجتمعيا متماسكا ومتوجها نحو بناء البلد وازدهاره .
وكنتيجة لهذا التعايش والتصالح الاجتماعى انطلقت ماليزيا فى نواحى حياتها نحو النهضة والرقى حتى انك ترى أن شوارعها وأسواقها وبنيتها الاساسية لا تقل فى شىء عن أى بلد اوروبى متقدم , وأيضا تجد الروح الإسلامية موجودة وبقوة .
وتكتمل هذه الفلسفة التواءمية التعايشية فى البرجين التوأم وهما أحد أهم معالم ماليزيا الحديثة حيث يعتبران من أعلى الأبراج فى العالم ،والسبب فى كونهما برجين , كما علمت من بعض الماليزيين , أنهما يمثلان حالة التعاون والتعايش بين الذات والآخر ولهذا تجد قنطرة تربط البرجين فى وسطهما ، واسفل البرجين مكتوب عبارة :Reimagination of Energyبمعنى إعادة تخيل الطاقة ، ويبدو أن للبرجين رمزيات أخرى كثيرة ومنها هذا الإرتفاع الشاهق الذى يتجاوز حدود الإنتفاع بالمبنى إلى حالة من الطموح والرغبة فى الإرتقاء إضافة الى معنى التزاوج والتآخى والتعايش والتصالح والإرتباط .
وتتأكد هذه المعانى فى وسط كوالالامبور وبالتحديد قرب مركز Pavilion التجارى وفى شارع العرب القريب منه حيث تجد خليطا من الجنسيات ومن السلوكيات ومن المعروضات فى هذه الاماكن دون تصارع أو إقصاء ، فعلى الرغم من أن ماليزيا بلد اسلامى وأن مشروع نهضتها كان ومازال ذو صبغة إسلامية عصرية ،إلا أن هذا لم يمنع  وجود مظاهر فى وسط المدينة عكس هذا تماما فمثلا تجد زجاجات الخمر على أرفف الكافيهات والمطاعم ، وتجد مظاهر للدعارة المقنعة (تحت مسمى المساج)منتشرة فى شارع العرب , وقد تكون هاتين الظاهرتين (الخمر والدعارة المقنعة) صادمتين لذوى الرؤية الدينية والاخلاقية ، ولكنهما دليلا قبول وتنوع لدى اصحاب الرؤية الديمقراطية.
وقد حضرت خطبة الجمعة فى أحد المساجد الكبرى وسط العاصمة ، ولاحظت  استخدامهم لتقنية "الباور بوينت" (عرض الشرائح على الشاشة)بالمسجد من خلال شاشات كبيرة تعرض على احدها صورة الخطيب وتعرض على الأخرى عناصر الخطبة مكتوبة بلغات مختلفة بحيث تواكب ما يقوله الخطيب ، وأحيانا تعرض صور وخرائط توضيحية لأماكن الأحداث التى يذكرها خطيب الجمعة.
وتبدو مدن ماليزيا جديدة تماما بما يدعو للعجب , ولقد علمت بان الحكومات الماليزية المتعاقبة (خاصة أيام مهاتير محمد) قامت بعمل خطة لتطوير الاحياء القديمة على مدى جدول زمنى بحيث تبدأ بحى حتى تنتهى منه ثم تنتقل الى الذى يليه حتى أنجزت الخطة كاملة.
ومما يلفت النظر ذلك الجمال الطبيعى الخلاب والذى يساهم فيه مساحات الخضرة الهائلة (حيث أنها بلد استوائى ) ومستوى النظافة الرائع فى كل مكان والجزر والشواطىءالتى تعطى الزائر طعم الطبيعة البكر والبساطة المجتمعة المريحة  .ويضاف الى ذلك طيبة الشعب وتوجهه نحو رعاية الزائر لبلاده دون استغلال أو مضايقة وكأنهم مفطورين على الرعاية والعناية  ، شأن شعوب جنوب شرق آسيا عموما ، وربما يفسر هذا تقدمهم فى مهن مثل التمريض والمساج وخدمة المنازل وإدارتها فى كثيرمن دول العالم .ولهذا لا تستغرب حين تعلم بأن ماليزيا تعدادها 28 مليون نسمة ويزورها 30 مليون سائح سنويا .ولكى تلمس ما وصلت اليه ماليزيا (كأحد النمور الاسيوية) من تقدم صناعى تكنولوجى فيكفى أن تزرو أحد المراكز التجارية العملاقة التى تمثل سوقا للإلكترونيات لتكتشف النقلة الهائلة التى وصلت اليهاماليزيا.
كانت ماليزيا بالنسبة لى منذ 25 سنة تتمثل فى سائق ماليزى فقير يدعى داوود كان يعمل فى المركز الطبى الذى كنت أعمل به فى الخليج وكان معظم الماليزيين يرضون بالمهن البسيطة والهامشية بحثا عن لقمة عيش لا يجدونها فى بلادهم وكانوا يتحملون فى سبيل ذلك بطش وقهر وتسلط الكفيل الخليجى ، أما الآن فهم يعيشون أسيادا فى بلادهم ويذهب اليهم الخليجيون والعرب عموما كسائحين يساهمون فى تنشيط الاقتصاد الماليزى الصاعد بعقل ووجدان المواطن الماليزى الذى وجد قيادة مخلصة فتعاون معها ليبنى بلدا عصريا وفى نفس الوقت محتفظ باصالته الدينية والثقافية.

دكتور / محمد المهدي



 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق