الأحد، 28 سبتمبر، 2014

وائل عباس يكتب: طب بس إدونا الأباتشي الأول


خبران من الأسبوع الماضي لفتا إنتباهي وإستطعت أن أربط بينهما بطريقة ما قد يستغربها البعض، الخبر الأول كان عن وصول الهند إلى المريخ بمركبة مانجاليان التي إستطاعت أن تلتقط صورا للكوكب بعد ساعة واحدة من إستقرارها في المدار. أما الخبر الثاني فهو عن مساومات السيسي في الولايات المتحدت ليحصل على صفقة الطائرات الأباتشي المتأخرة. هذان الخبران بينهما رابط أي والله وهذا الرابط ستتعجبون منه أيضا، فهذا الرابط هو حلوان.

حلوان ضاحية في جنوب القاهرة، كانت منتجعا صحيا، ثم أصبحت مدينة مزدحمة ومهدا للصناعة في عهد الملكية حتى أمم عبد الناصر مصانعها وإستولى عليها، لتصبح حلوان عشوائيات ومصانعها خردة للخصخصة في عهد مبارك، يهمنا منها في هذا المقال مصانعها الحربية وقاعدة حلوان الجوية.



شهدت قاعدة حلوان الجوية ولادة أول طائرة نفاثة مصرية، هي الطائرة حلوان إتش إيه 300 بي، طائرة سوبرسونيك إعتراضية ذات مقعد واحد، صممها المصمم الألماني الشهير فيلهلم إيميل ميسرشميدت كآخر تصميم قبل وفاته، أيوة ميسرشميدت اللي صمم الطائرات لألمانيا النازية اللي أرعبت بيها العالم، مصمم الطائرة ميسرشميدت بي اف 109، يعرفها جميع هواة أفلام الحرب العالمية الثانية، وأكثر طائرة تم إنتاجها في العالم بعدد 35 الف طائرة، ومصمم الطائرة ميسرشميدت 209 التي ظلت أسرع طائرة في العالم حتى عام 1969. سجن ميسرشميدت بعد الحرب سنتان بتهم تتعلق بالنازية وبإستخدام السخرة في مصانعه.

ليس سرا تعاون جمال عبد الناصر مع النازيين السابقين، وإيوائه لعدد منهم في مصر، وإستفادته من خبراتهم سواء العلمية أو في البروبجاندا والإعلام والدعاية لنفسه للسيطرة على الشعب، وهناك حادث شهير في الخمسينات لإغتيال إسرائيل عدد منهم في فيلا في شارع الهرم بتسميم خزان المياة، كما كانت له علاقات جيدة مع فرانكو ديكتاتور إسبانيا وعن طريقه تعرف على ميسرشميدت، ثم إتجه بعد ذلك لإستقدام الخبراء السوفيت الذين كانوا وبالا على مصر وفرص تقدمها.

بدأت الطائرة حلوان في إسبانيا بإسم هيسبانو إتش إيه 300، لكنها لم تتعدى مرحلة الورق والنماذج الخشبية نظرا لقلة الموارد، وانشغلت إسبانيا في تطوير الهيسبانو 200 لتبدأ مصر في تمويل المشروع ويسمى حلوان، وإنتقل بالفعل ميسرشميدت وفريقه إلى حلوان، تمت تجربتها بمحرك نفاث أورفيوس إم كيه 703 من إنتاج رولز رويس الإنجليزية، لكن لم يكن أداؤه مرضيا، كما أن كونه إنتاج دولة معادية كبريطانيا لم يكن مريحا لعبد الناصر، فتم إستقدام خبير المحركات النفاثة النمساوي الدكتور فرديناند براندنر، وهو شتاندرت فيوهرر أو قائد كتيبة سابق بجيش النازي أيضا بالمناسبة، ليصمم المحرك المصري إي 300، ويعرف براندنر بأنه مخترع محرك التوربو السوفيتي الشهير كوزنيتسوف المستخدم في طائرات التوبوليف حتى اليوم. جدير بالذكر أن بين فريق ميسرشميدت أيضا كان الطيار النازي الشهير فريتز شيفر.

بدأ البرنامج رسميا عام 1959 وأنتجت جميع الأجزاء في ورش مصنع 36 الحربي، وأجريت التجارب بمحرك أورفيوس الذي عبر بها سرعة الصوت، ثم في 1963 تم إستخدام المحرك المصري براندنر إي 300 لتصل السرعة إلى ضعف سرعة الصوت، إستعانت مصر بطيار إختبار هندي يدعى الكابتن كابيل بهارجافا، لأن مصر في ذلك الوقت لم يكن لديها طياري إختبار، ثم أرسلت مصر طيارين للتدريب في الهند بعدها، وكان هذا نتيجة لعلاقة جيدة بين عبد الناصر ونهرو. وشاركت الهند أيضا في تمويل أبحاث المحرك إي 300 لتستخدمه في طائراتها الماروت.إتش إف 24.

إرتأى السوفيت أن نجاح الطائرة حلوان يمثل تهديدا حقيقيا لطائراتها الميج 21 فضغطوا بكل الطرق على عبد الناصر ليوقف المشروع، خصوصا وأن الجزائر تعاقدت بالفعل على شراء الطائرة فور إنتاجها في مصر، وبالفعل رضخ عبد الناصر وأوقف المشروع في مايو 1969، وجعل مصر تابعة لروسيا في تسليحها، ومات وترك لنا تركة ثقيلة ممثلة في الهزيمة في 1967 وعدد 15 الف خبير سوفيتي يتدخلون في كل مناحي الحياة في مصر، حتى طردهم السادات قبل حرب السادس من أكتوبر 1973. وبيع المحرك إي 300 للهند وكان بشرة خير عليهم. 




يوجد ثلاث نسخ من الطائرة حلوان الآن في العالم، واحدة في مطار ألماظة يخبئها الجيش عن العيون حتى لا تثير التساؤلات من الفضوليين، والثانية في متحف الطيران الألماني جنوب ميونيخ، ويقال أن هناك نسخة ثالثة ما تزال في مصنع حلوان للطائرات. وتكلف المشروع وقتها 135 مليون جنيه مصري بما يعادل 14 مليار جنيه مصري الآن.

ظلت الطائرة هيندوستان ايرونوتيكس ماروت اتش اف 24 في الخدمة في القوات الجوية الهندية حتى تقاعدها عام 1985، ولم تتوقف الهند، التي نالت إستقلالها مع مصر وإختارت طريق الديمقراطية لا العسكرية، عن التطور في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي، رغم حروبها مع كل جيرانها أيضا، حتى لا تكون الحرب حجة، لتصبح الهند الآن رابع دولة تصل المريخ بعد أمريكا وروسيا والإتحاد الأوروبي، بينما مصر ... ولا أقولك : طب بس إدونا الأباتشي الأول.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق